تخطى عدد الوافدين الذين نزحوا من أرياف إدلب وحماه خلال العملية العسكرية الأخيرة التي تشنها قوات الأسد وروسيا على المنطقة حاجز المليون شخص، وسط انتهاكات حرب فاقت التصور تم اعتماد سياسة لأرض المحروقة فيها، وتجريب مختلف أنواع الأسلحة حتى المحرمة دولياً، في ظل عجز كبير لاستيعاب ما وصفته التقارير العالمية بـ “الكارثة الإنسانية”، وافتقار الوافدين للأساسيات الحياتية وأهمها المسكن والمياه والحمامات، بحسب محمد الحلاج (مدير فريق منسقو استجابة سوريا) الذي قدّر حاجة الوافدين بسبعين ألف منزل لإيوائهم.

وكان “منسقو الاستجابة” قد بينوا في تقريرهم الذي صدر في السادس والعشرين من آب الاحتياجات الإنسانية الطارئة لاستيعاب موجة النزوح الحالية والتي توضح أرقامها الصادمة وجوب التدخل السريع، سواء من المنظمات والمؤسسات الحكومية في الداخل السوري، أو من المجتمع الدولي.

مناشدات دولية دون استجابة

وجهت الفعاليات والمؤسسات المدنية في محافظة إدلب رسالة مشتركة في العشرين من آب الحالي إلى الأمم المتحدة، ضمت كلاً من الهيئة السياسية بإدلب، مديرية صحة ٳدلب، الدفاع المدني، مديرية التربية، تجمع سورية الثورة، تجمع المرٲة السورية، وتجمع النقابات والاتحادات المهنية بٳدلب، دعوا فيها إلى تفعيل قوانين الحماية الدولية والإنسانية وقت الحرب، وإيقاف آلة القتل الروسية والإيرانية وحلفائهم على الأرض الذين يدعمون نظام الأسد في قتل وجرح آلاف المدنيين وتدمير المرافق الطبية والصحية ومراكز الدفاع المدني والمدارس والأسواق والمنازل، وتهجير ما يزيد عن نصف مليوني مدني.

وطالبت المناشدة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بالتدخل الفوري قبل حصور كارثة إنسانية لم تشهد لها البشرية من مثيل، على حد وصفهم، وتنفيذ القرارين الصادرين عن مجلس الأمن رقمين 2118 و2254 للبدء فوراً بمسار الحل السياسي الدائم. مؤكدين عدم معرفتهم بما يجري من اتفاقيات وتبادل مصالح بين الدول، وإن السوريين في إدلب لم يكونوا طرفاً في أي اتفاق ولم يوافقوا على أي خطط، أو ينتدبوا من يوقع عنهم ويوافق على أي اتفاقية.

ويقول المحامي عبد الله حاج سليمان (رئيس الهيئة السياسية بمحافظة إدلب) إن هذه الرسالة التي تم إرسالها إلى مكتب الأمم والمتحدة وللمبعوث الأممي الخاص لسوريا (جير بيدرسون) تأتي في إطار وضع الهيئات الأممية بصورة ما يجري، ومطالبتهم بالالتزام بالدور الذي وجدوا من أجله في حماية المدنيين، معتبراً أن هذه المناشدات واجب على الفعاليات المدنية التي لا يجب أن تلتزم الصمت حيال ما يجري، كما يرى حاج سليمان أن للرسالة دور آخر في تحريك المنظمات الإنسانية الدولية للاستجابة الطارئة، خاصة وأن الدعم الحالي لا يغطي سوى 9% من حاجة الوافدين إلى الشمال السوري.

بيانات وحكومات وحلول قاصرة

تغيب الحكومة المؤقتة عن المشهد الإنساني المتأزم في الشمال السوري، في حين اكتفت حكومة الإنقاذ بتوجيه بعض الرسائل للمجتمع الدولي والمنظمات تطالبها بدعم احتياجات الوافدين، وإصدار عدد من القرارات التنظيمية تخص الأهالي في المنطقة.

وكانت حكومة الإنقاذ قد أصدرت في الثلاثين من تموز الماضي قراراً لضبط وتنظيم عمليات إيجار المنازل والمكاتب العقارية للحد من استغلال الوافدين، على حد قولهم.

وفرض القرار تمديد عقود الإيجار التي ما زالت قائمة بين طرفي العقد، ومنع إخلاء أي مستأجر لم يخلّ بشروط العقد في حال لم توجد أسباب قوية ومقنعة للإخلاء، كما حدد القرار سقف الإيجارات بما كان سائداً قبل موجة النزوح الأخيرة، وإلزام المكاتب العقارية بتقاضي عمولة لا تتجاوز إيجار نصف شهر فقط ولمرة واحدة، مهما مدد العقد، وطالب أصحاب المكاتب بتصديق العقود في المجالس المحلية. كما ألزم أصحاب البيوت الفارغة بتأجيرها، تحت طائلة تأجيرها إجبارياً في حال الامتناع.

كما أصدرت بعض المجالس المحلية مبادرات استجابة، وبعض البيانات، كبيان مجلس أرمناز، الذي حدد إيجار المنازل في المدينة ما بين 15 ألف و25 ألف ليرة للشهر الواحد.

بينما أصدر المجلس المحلي في مدينة الدانا بياناً حدد فيه أسعار إيجار المنازل بـ 15 للـ 18 ألف ليرة سورية للغرفة الواحدة، ومن 35 ٲلف للـ 60 ٲلف ليرة سورية للبيت الواحد.

أثر تلك القرارات لم يكن واضحاً على الوافدين، بحسب من التقيناهم وما تداولته التقارير الإخبارية و صفحات التواصل الاجتماعي عن تضاعف إيجارات المنازل واستغلال ظروف الحرب من قبل بعض ملّاك البيوت، دون تدخل من أحد!

ورأى عدد من الوافدين إلى مدينة الدانا أن قرار المجلس ليس منصفاً، خاصة وأن الأرقام التي حددت بها إيجارات المنازل “مرتفعة ولا تتناسب مع ظروفهم المعاشية”، متسائلين عن “البيوت المستأجرة سابقاً من قبل الأهالي بأسعار تنقص عن الأرقام المحددة، وما إن كان أصحابها سيرفعون الإيجارات بناء على القرار الجديد؟”

كما وصفوا تلك القرارات بـ “غير المدروسة”، خاصة ما جاء في قرار حكومة الإنقاذ الذي لم يحدد سعراً للإيجارات وفق دراسة الحالة الاقتصادية للوافدين، فمتوسط إيجار المنازل في مختلف المناطق الآمنة يزيد عن خمسين دولاراً، ويصل في بعض المناطق إلى مئتي دولار، في الوقت الذي لا يتجاوز دخل المواطن السوري في الأحوال العادية ما يعادل خمسة وثمانين دولاراً، وفي ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية وأجور النقل، دون أن ننسى على حد قولهم إن الشتاء على الأبواب، بما يفرضه قدومه من أكلاف جديدة وصفوا تأمينها بـ “المستحيلة”.

وكانت المجالس المحلية لعدد من قرى وبلدات ريف حلب الغربي، كخان العسل وحريتان وحيان وعندان وغيرها قد أعلنت استعدادها لاستقبال الوافدين في منازل مجهزة دون بدل للإيجار، وعند تتبعنا للأمر وجدنا ضعفاً في إقبال الأهالي على هذه المناطق وذلك لقربها من خطوط قوات الأسد، واستهدافها بقذائف وصواريخ الراجمات بشكل متقطع، وهو ما دفع الأهالي إلى العزوف عن الذهاب إليها وتفضيلهم البقاء في مناطق أكثر أمناً، أو إيجاد حلّ من قبل الجهات الحكومية بالتواصل مع الجهات الدولية أو الضامنين لتأمين هذه المناطق التي قد تكون حلّاً ناجعاً لاستيعاب أعداد كبيرة من الوافدين.

وقام فريق فوكس حلب بمخاطبة المؤسسات الحكومية والفعاليات المدنية في إدلب لدراسة هذا الحل، ووعدنا بمتابعة هذا الأمر من قبلهم وإيصاله إلى الجهات المعنية.

كل ذلك حبر على ورق

استطلعنا آراء عدد من الوافدين بالبيانات والمناشدات التي صدرت خلال الفترة الأخيرة، وأجمع معظم من التقيناهم على “عدم ثقتهم بنجاعتها” وسنورد بعضاً منها.

يقول ميعاد الخليل (نازح من ريف خان شيخون إلى منطقة صلوة غربي قاح) إن هذه البيانات والمناشدات “لا تنفع، ما أصدقه هو ما أراه على الواقع وليس على قرارات وبيانات، ماذا يقدم لأطفالي، وماذا يفعل العالم تجاه هذا النظام المجرم، وهل بإمكاني العودة لبيتي وأرضي؟”

أما سميرة أم أحمد (نازحة من جبل الزاوية) فقالت بغصة إن “الشكوى لله، لا لأمم ولا لمجالسهن، هدول هم عم يدبحونا، ومعقول هالمجرم عجز كل هالدول?!، كذب كلهم متلو، ما بتنفع الشكاوى إلهن، الشكوى بس لله”.

محمد المهدي (نازح من ريف حماة لمخيمات قاح)، قال إن “الرمد أحسن من العمى، ورفض الجريمة أحسن من السكوت عنها، وكل ما شأنه أن يحمل أمل بالتخفيف عن الناس لا بأس به، كقرارات منع الاستغلال، او مناشدات الدول” وختم بقوله “نحن كشعب سوري لم نعد نثق بأحد، لا دول ولا جهات، لكن لا بأس بالعمل والسعي لتخفيف الوجع”.