ليس هناك نتائج تبعث على التفاؤل بمآلات الثورة السورية الأخيرة، سواء على الصعيد السياسي أو العسكري، ولا توجد إجابات منطقية للردّ على تساؤلات تدور في أوساط السوريين في الداخل أو الخارج حول ما إن كانت الثورة قد أدّت ما عليها أو انكسرت لتوطيد حكم النظام لسنوات كثيرة مقبلة، وتوارث عائلة الأسد برغم كل هذه الانتهاكات للسلطة وبقائهم فيها، وحول اليأس والإحباط الذي بات سمة شبه عامة، خاصة بعد الخسارات الأخيرة للكثير من المناطق التي كانت الفصائل فد سيطرت عليها خلال سنوات الثورة، وتبادل الاتهامات والتخوين، إلّا أن معادلة تبدو غير منطقية إلّا أنها راسخة في أذهان السوريين تجد طريقها دائماً بأن الثورة ستنتصر، أين وكيف ومتى لا يعرفون، إنما هي حقيقة يكفلها الإيمان بالقضية والحق وحجم الانتهاكات التي لن تمرّ دون محاسبة.

يقول الحاج عبدو (من قرية ترملا بريف إدلب) بعد سماعه خبر قصف منزله الذي تركه نازحاً منذ أشهر بعد رؤيته لدموع زوجته “كلو بيتعوض، بس الموت مالو حلّ، وإلّا ربك ما ينصرنا”، يربت على كتف رفيقة دربه وشريكته في الأيام القاسية والجميلة ليكمل “تستحق المزيد” في إشارة للثورة التي آمن بها منذ الأيام الأولى، مع يقين كامل بأنه “لا معركة بلا خسائر”.

يوزع الحاج عبدو ابتسامته على زواره، يحاول جاهداً أن يهدئ من روع اليائسين والخائفين، بحسب قوله، دون تنظير أو كلمات رنانة، فالحاج الذي نال الحصة الأكبر من قصف طائرات النظام وحقدهم بعد أن فقد طرفه السفلي الأيمن كاملاً وثلاثة أصابع من يده اليسرى، إثر استهدافه بغارة جوية “أفرغت حمولتها عليه منذ أربع سنوات وهو في الطريق إلى عمله في واحد من مقالع الحجارة بقرية حاس”، إضافة لتهشم شرجي وتقطيع أجزاء من أمعائه، ما زال يعاني مشاكل صحية كبيرة، خاصة مع فشل بعض الجراحات الكثيرة التي أجريت له في المشافي التركية حينها، وما تسبب به عجزه عن القدرة على العمل، إضافة لاستنزاف مدخراته في رحلات العلاج والدواء، يرى ضرورة التمسك بالثورة كهدف وحيد لا يفارق حديثه اليومي، ويؤمن بأن على أبنائها الحفاظ على أرواحهم بعيدة عن الإحباط لمحاسبة “القتلة”، مؤكداً أن “الأمر ليس ببعيد”.

في واحدة من الغرف المسبقة الصنع وسط أرض زراعية في قرية إبين “بريف حلب” يجلس الحاج عبدو برفقة عائلته بعد نزوحهم الأخير، يقول إنه سيعود يوماً لبناء ما هدّمه الطيران في منزله. لا تغيب عن لسانه ألفاظ الحمد، بالرغم من معاناته، ولا يترك فرصة للتذكير بالثورة عند حديثه مع أطفاله وزواره.

ليس ببعيد عن الحاج عبدو تجلس أم أحمد (50عاماً) من حاس بريف إدلب الجنوبي والتي يطلق عليها الأهالي “أم الشهداء”، وما أكثرهن في سوريا، تطلب من النساء “الإنجاب” لتعويض من قتله النظام، تقول السيدة التي فقدت سبعة من أبنائها (أربعة في المعارك وثلاثة في قصف على منزلها) إنها “لن تصالح أو تستسلم”، فإما عيش بكرامة أو موت بشهامة، تلك اللازمة التي رددتها لمرات كثيرة وهي تحدثنا عن يقينها بانتصار الثورة.

لا تستغرب أم أحمد مخاوف الناس وهواجسهم، بسبب ما يعيشونه من ظروف قاسية وانعدام للأمن، ولكن ما يثير حفيظتها الحديث عن فكرة الخسارة وانتهاء الثورة، فمن يعوض دم الشهداء، تقول وهي تخبرنا أنه لا بدّ من تحقيق العدالة، حتى وإن لم تراها بنفسها، فهي حرب مستقبلية ضد سلطة الأبد، وسيكملها من سيولد في تلك الظروف القاتمة والحالمة وبآن معاً.

لا يدفع الثمن مرتين، تختم أم أحمد حديثها لنا، تقول إن التراجع الآن يعني ترك موسم القطاف المروي بالدم والتعب والنزوح، يوافق على قولها مالك الطويل (39 عاماً) من قرية معرة حرمة بريف إدلب وهو يتحدث عن شرفة منزله الذي سيعود إليه، يشرب القهوة، وينتظر مواسم التين والعنب الذي سيكون “أشد حلاوة” لما يحمله من ذكريات.