قطعت روسيا وقوات الأسد الطريق على نقطة المراقبة التركية التاسعة في مورك، بعد فرضها الحصار على ما تبقى من ريف حماه الشمالي، فيما لم تحرك تركيا ساكناً سوى من خلال تصريحات خجولة لوزير خارجيتها حذّرت الأسد من استهداف النقطة، واجتماعات فشلت بالتوصل إلى حل، وقررت تركيا بموجبها عدم الانسحاب وإبقاء النقطة التاسعة في مكانها.

لم تكتف روسيا وقوات الأسد بذلك، بل تعدّته لاستهداف مباشر لرتل تركي قيل إنه جاء لتعزيز نقطة المراقبة وضم ما يقارب خمسين آلية عسكرية، وأدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص من فيلق الشام المرافق للرتل، الأمر الذي أدانته الأمم المتحدة وأمريكا، وضربت به روسيا عرض الحائط من خلال كلام الرئيس بوتين يوم أمس والذي حمّل تركيا المسؤولية عن استهداف قواته داخل قاعدة حميميم، وعدم قدرتها على تنفيذ بنود الاتفاق، في إشارة لتفكيك من أسماهم بـ “الجماعات الإرهابية” التي امتد نفوذها بحسب قوله لتسيطر على 90% من المنطقة، بعد كانت تسيطر على 50% منها سابقاً خلال الاتفاق.

سبق ذلك الاستهداف، ومع سيطرة قوات الأسد وروسيا على بلدات كفرنبودة والهبيط، إجبار النقطة التركية العاشرة في شير مغار على المرور في خط زراعي ضيق من خلال جبل شحشبو لإيصال الإمدادات وتبديل المقاتلين، في حين توقف عمل هذه النقاط في تسيير الدوريات واكتفت بالمراقبة من مكان تواجدها.

لا يبدو عمل هذه النقاط مخالفاً لاسمها، إلّا أن الشارع السوري هو من فسّر عنها وألبسها دوراً أكبر من التفاهمات الموقعة مع روسيا، ويبدو أن الأتراك لم يتدخلوا لتصحيح هذا اللبس الحاصل من خلال بيان الدور الفعلي لتركيا في هذه المنطقة، ومقارنتها بمناطق ريفي حلب الشمالي والشرقي وعفرين، والتي تسيطر عليهم تركيا سيطرة مباشرة، مقابل ضمان عدم اختراق قوات الأسد للتفاهم هناك، منذ دخول ما يطلق عليها قوات “درع الفرات وغصن الزيتون” إلى المنطقة.

حاولت الفصائل المعارضة بكافة أطيافها في إدلب وأرياف حماه، باستثناء جيش العزة الذي رفض مقررات أستانة، السير تحت عباءة الضامن التركي، ووافقوا على ما يملى عليهم من تفاهمات، كانت آخرها الهدنة في الأول من آب الحالي، بما فيهم هيئة تحرير الشام والتي تصنف بحسب أستانة نفسها على أنها “جماعة إرهابية” على تركيا تفكيكها، وبالرغم من رفض جيش العزة للمشاركة في المؤتمر ومخرجاته إلّا أن خط سيره لم يتناقض مع ما تريده تركيا، وهو ما أدى إلى سماح تركيا للفصائل العسكرية التي تدعمها بالدخول إلى إدلب وحماه، والمشاركة في غرفة عمليات الفتح المبين، بل وتصدر المشهد الإعلامي والعسكري من خلال الجبهة الوطنية للتحرير، وكذلك الجيش الوطني الذي قيل إن بعض عناصره دخلت منذ أيام لصد حملة قوات الأسد وروسيا العسكرية على المنطقة.

الغموض الذي يكتنف الدور التركي في المنطقة ولّد حالة من الغضب الشعبي، ودفع إلى العديد من التحليلات والتفسيرات التي غالباً ما رافقت أستانة وسوتشي، ففي كل اجتماع للضامنين تسقط واحدة من قلاع المنطقة الثورية، بدءً من حلب وصولاً إلى خان شيخون.

وفي كل مرة كانت تسقط فيها واحدة من هذه المناطق كان الحديث يدور عن صفقات بيع تديرها تركيا وتنفذها الفصائل العسكرية المنضوية تحتها، لاستبدال مناطق السيطرة، كان آخرها أن تكون خان شيخون مقابل تمرير ما يتم حالياً من اتفاق أمريكي تركي حول ما سمي “ممر السلام” أو المنطقة الآمنة، ليغلب على الضامن التركي المصلحة الخاصة مع تجاهل واضح لما سيحلّ بمئات الآلاف من الأشخاص الذين نزحوا من مناطقهم بعد استهدافها أو السيطرة عليها من قبل قوات الأسد وروسيا، وتدمير للمنشآت والمرافق الحيوية، دون أي ردّ فعل تركي.

ليس لدينا خيار آخر، يقول أغلب المدافعين عن الموقف التركي، فمناطق المعارضة باتت محاصرة بالفعل ولم يبق لها إلا اللجوء إلى تركيا والرضوخ لما تفرضه عليها، أو التوجه إلى المصالحات والقبول بشرعية الأسد وما سيؤدي إليه من ضياع للحقوق والاعتقالات والمحاسبة، والأهم من ذلك إنهاء الثورة والاعتراف بعدمية جدواها منذ البداية والقبول أيضاً بالشروط التي ستفرضها قوات الأسد، والتي يراها أولئك المدافعون أكثر إجحافاً من تلك التي من الممكن أن تضعها تركيا لتحقيق مصالحها أولاً والتي تتعارض مع مصالح الأسد وروسيا.

لا أحد يأخذ رأي السوريين في سورياهم، تلك جملة حكمت المشهد السوري في السنتين الأخيرتين، ليس لديهم الحق بالقبول أو الرفض أو التعبير عن الرأي، يغيرون الديموغرافيا كل من جهته كما يشاؤون، يرسمون حدوداً جديدة، يقسمون المنطقة ويتقاسمونها، ينهون وجود من يريدون أيضاً، ويسيدون علينا من لا نريد في الوقت ذاته، المصالح الروسية والإيرانية في الطرف الموالي تحكم السياسة الخارجية والداخلية، والمصالح التركية والأمريكية في الطرف المقابل، يمسكون بأيديهم أغطية “العبوة” التي وضعونا داخلها، وفي كل استحقاق يصدرون قضيتنا في سياساتهم الداخلية وانتخاباتهم، والتهديد بنا كأداة لغزو أوروبا كلاجئين، ويتباكون علينا في مجلس الأمن واجتماعات الأمم المتحدة، ويسوقوننا كضحايا حين يريدون وكإرهابيين وقت الحاجة، يصنعون لنا هوياتنا القاتلة ويتركوننا لمصيرنا بعد تمرير تفاهماتهم، فيما ينتظر ملايين النازحين زجهم في سجن مفتوح على الشريط الحدودي، دون طعام أو علاج، أو حتى مجرد رأي.

يتساءل الكثير من السوريين في الداخل عن عمل النقطة التركية التي ترفض تركيا اليوم سحبها، من ستراقب وهل ستقوم بعدّ الانتهاكات التي ستقع بين الشبيحة وقوات النمر على تعفيش البيوت في حال سيطرتها على المنطقة، ويرون إن كان لا بد من الحياة داخل سجن فلتنسحب النقاط التركية وتتركنا لثورتنا التي إما نموت دونها أو نحيا في سجن أكبر من شريط على شكل ممر للسلام.