يعيش سكان الشمال السوري في المناطق التابعة لسيطرة المعارضة حالة من التخبط تعكسها الأخبار المتداولة عن سير المعارك، وتبادل السيطرة بين قوات النظام وحلفائها والفصائل المدافعة، وتتأرجح آراؤهم بين الثقة التي اكتسبوها بعد الصمود الذي وصفه كثير منهم بـ “الأسطوري” خلال معارك تل ملح والجبين، واليأس والخوف بعد تقدم النظام السريع خلال الأيام الماضية وسيطرته على عدد من القرى والبلدات في أرياف حماه وإدلب.

وتنوعت هذه الآراء إلى حدّ الاتهام بالتخوين واتهام الفصائل العسكرية بالتقصير على جبهات القتال، وعدم تزويد العناصر المرابطين بالسلاح الثقيل، وتنفيذ اتفاقيات غير معلنة بين روسيا وتركيا، في الوقت الذي يرى آخرون بأن متبني الرأي الأول لا يدركون ما وصفوه

بـ “هول ما يحصل من حرق للحجر والبشر”، والذي تعتمده روسيا وقوات النظام في سياسة الأرض المحروقة وتنفيذ آلاف الغارات الجوية واستخدام كافة أنواع الأسلحة على هذه المناطق.

وانتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي دعوات طالبت الفصائل العسكرية غير المشاركة بالمعارك الدائرة بالتدخل السريع، والعمل إلى جانب فصائل “الفتح المبين للجم النظام وإيقاف تمدده، إضافة لحملات المقاومة الشعبية التي انطلقت في العشرين من أيار الماضي لمساندة المقاتلين عبر جمع التبرعات والمشاركة بعمليات التدشيم وحفر الخنادق على الخطوط الدفاعية الثانية والثالثة، والتي لاقت إقبالاً كبيراً من قبل الأهالي لم يقتصر على الدعم المادي بل تعداه للمشاركة في القتال وتجهيز العناصر بالسلاح واللباس المناسبين للمعركة.

يقول محمد العبد الله (أحد المشاركين في سرايا المقاومة الشعبية) إن تقدم النظام زعزع ثقة ومعنويات الناس المرتفعة، إلّا أن الصمود القوي وقدرة الفصائل على تبطيء هذا التقدم وإيقافه في بعض المحاور كريف حماه الغربي ومحور شرق إدلب في محيط سكيك أعاد شيئاً من التفاؤل لأهالي المنطقة.

من جهته أكد محمود المحمود القيادي في جيش العزة أن فصائل الفتح المبين لم تدخر جهداً لتأمين المنطقة وإبعاد شبح الحصار عن ريف حماه الشمالي وخاصة مدينتي اللطامنة وكفرزيتا المعقل الرئيسي لجيش العزة، والذي دفع بتعزيزات كبيرة وآليات عسكرية وذخيرة لصد الهجوم.

وتسعى قوات الأسد بكامل قوتها لمحاصرة مدن مورك وكفرزيتا واللطامنة (35 كم شمال حماه) وذلك عبر تقدمها في مناطق ريف إدلب الجنوبي للسيطرة على الأوتوستراد الدولي حلب دمشق والمعروف باسم M5.

واعتمد النظام بإشراف ضباط روس على الهجمات الليلية لإبعاد خطر الصواريخ المضادة للدروع عن آلياته العسكرية، كما قام بتزيد مجموعات الاقتحام التابعة له بمناظير ليلية، واتباع سياسة الأرض المحروقة التي بدأها في قريتي الجبين وتل ملح التي استعاد السيطرة عليهما في 28 تموز بعد محاولات تقدم دامت قرابة 45 يوماً، وبعد استمراره في شن الهجومات الليلية أجبرت فصائل الفتح المبين على الانسحاب عن العديد من القرى لإعادة ترتيب الصفوف، ووضع خطط دفاعية جديدة لصد النظام وإفشال محاولاته الليلة.

وبغية قطع طرق الإمداد عن مدينة كفرزيتا ومورك واللطامنة بدأ النظام بالتقدم والسيطرة على وادي حسمين ومزرعة أبو رعيدة وقرية حصرايا 4 كم جنوب غرب مدينة كفرزيتا في 31 تموز، وتعتبر تلك القرى خط إمداد ومحاور تقدم للفصائل خلال معركة الجبين وتل ملح.

بينما حققت فصائل الفتح المبين تقدماً على قرية الحماميات غرب مدينة كفرزيتا في 10 من تموز الحالي، والتي دخلتها الفصائل الثورية للمرة الثانية منذ بدء الثورة بسبب تحصينها القوي، وبغرض توسعة مناطق النفوذ والتقدم باتجاه بلدة كرناز ومعسكرات النظام في قرية الشيخ حديد وبريديج للالتفاف على مناطق سيطرة النظام في بلدة كفرنبودة شمالي حماة.

ولإعادة ترتيب صفوفه ووضع خطط جديدة أعلن النظام بعد تلك المعركة عن وقف لإطلاق النار في 1 آب، وقام بتجميع وحشد قواته وآليات ثقيلة معلناً بعد خمسة أيام عن استئناف العملية العسكرية، ليبدأ بالتمهيد الجوي والمدفعي على قرى حصرايا والزكاة والأربعين والجيسات والصخر واللواتي سيطر عليهم في 6 آب إلى 8 آب الجاري.

وكانت وجهة النظام باتجاه بلدة الهبيط لتأمين قواته المتواجدة في كفرنبودة من جهة، ولكشف خطوط إمداد أهم قلاع ريف حماة الشمالي (كفرزيتا – اللطامنة -مورك) عبر سيطرته على بلدة الهبيط والتي تتموضع على تلة تشرف على معظم الطرق التي تصل ريف حماة بريف ادلب، وبخمس هجمات ليلية صدت الفصائل 4 منها استطاع دخول البلدة والسيطرة عليها والتقدم على قرى كفرعين وتل عاس وأم زيتونة ومدايا وباقي المناطق، واقترب بذلك من خط الإمداد الرئيسي الواصل لريف حماة (خان شيخون) بمسافة 5 كم تقريباً.

وبحسب الناطق الرسمي للجبهة الوطنية للتحرير ناجي مصطفى فإن فصائل الفتح المبين قامت بتعزيز الجيب المحيط بمدن كفرزيتا واللطامنة، واستبدال القوات المقاتلة على ذلك المحور ودعمها بمقاتلين نخبة القوات خاصة.

كما بدأت أرتال تابعة للجيش الوطني السوري المتواجد في مدينة عفرين منذ ثلاثة أيام بالدخول إلى المناطق المحررة بالاتفاق مع الجبهة الوطنية للتحرير، من معبر الغزاوية بريف حلب، للمشاركة في المعارك الدائرة مع النظام، مكونة من أحرار الشرقية وفيلق الرحمن والجبهة الشامية مع مدافع وراجمات صواريخ بالإضافة لقواعد م.د وصواريخ تاو.

كما أوضح مصطفى بكور القيادي في جيش العزة أن الجبهة الشرقية في بلدة سكيك جنوبي إدلب وما حولها “تجري المعارك والصد بشكل جيد” بينما تعاني الجبهات الغربية جنوبي إدلب من “بعض الضعف بسبب شح في وجود سلاح التاو لدى الفصائل العسكرية”، مؤكداً على العمل لتلافي السلبيات لصد النظام.

وعن مصير النقاط التركية في حال سيطر النظام على المناطق المتواجدة ضمنها كمدينة مورك أوضح القيادي “أن القوات الروسية لن تهاجم النقاط التركية، ونفى بدوره معرفتهم أن الأتراك على علاقة بما يحصل بسبب عدم تواجدهم في اجتماعات استانة وسوتشي”.

المعارك الأخيرة أجبرت قوات الأسد على الاستعانة بميليشيات إيرانية وأخرى تابعة لحزب الله اللبناني إضافة لضباط من روسيا وذلك بعد الخسائر التي منيت بها هذه القوات خلال محاولات التقدم في المنطقة، بحسب ناجي مصطفى الذي قال “اكتشفنا وجودهم بعد رصدهم على محور سكيك من قبل مركز التنصت والرصد التابع للوطنية للتحرير”.

ومنذ بدء الحملة العسكرية على ريفي حماة وإدلب سيطر النظام على قرابة 30 قرية ومدينة كان آخرها السيطرة على قرية مدايا جنوبي إدلب والتقدم على المزارع والتي تبعد قرابة ثلاثة كيلو مترات عن مدينة خان شيخون الاستراتيجية، والتي تدور في محيطها المعارك الحالية.