مقام السيدة سكينة المزعوم في داريا -إنترنيت
مقام السيدة سكينة المزعوم في داريا -إنترنيت

ثلاثة أعوام مضت على تهجير النظام لكامل سكان مدينة داريا بريف دمشق، عقب حملةٍ عسكريةٍ عنيفةٍ خلّفت دماراً كبيراً في المدينة وتسبّبت بمقتل وجرح المئات، ومنذ استيلاء الأسد على داريا في آب 2016، سعى إلى الترويج لعودة الحياة للمدينة وأن الأهالي بدؤوا بالعودة لبيوتهم، إلا أن الواقع على الأرض بدا مخالفاً تماماً لما حرص النظام على ترويجه عبر اعلامه.

تعرضت أجزاء كبيرة من داريا لقصفٍ عنيفٍ من النظام السوري طوال الحملة العسكرية التي استمرت أربع سنوات، وعقب سيطرة الأسد على المدينة باتت تقسّم الى قسمين، المنطقة (أ) التي كانت منذ بداية الحملة العسكرية في 2012 تحت سيطرة قوات النظام ونسبة التدمير فيها بسيطة، والمنطقة (ب) والتي كانت تحت سيطرة فصائل المعارضة، وتزيد نسبة تدمير المنازل فيها عن 80%.

آثار الدمار جراء قصف النظام على داريا -فوكس حلب
آثار الدمار جراء قصف النظام على داريا -فوكس حلب

وتشمل المنطقة (أ) أحياء النكاشات والشاميات وشريدي ودوار الزيتونة والكورنيش والخليج وشارع البلدية وشارع الثانوية الشرعية وحارة الخولاني، بينما تشمل المنطقة (ب) الأحياء الغربية والجنوبية من دوار الباسل حتى ساحة شريدي، إضافةً إلى المنطقة الفاصلة بين المعضمية وداريا.

وزعم رئيس “مجلس مدينة داريا” التابع للنظام مروان عبيد، في حديثه لصحيفة “الوطن” الموالية، أن عمليات دخول العوائل أصبحت تشمل كل مدينة داريا وليست محددة بمنطقة واحدة فقط، مشيراً الى أن عمليات الدخول تتم بمعدل مئة عائلة يومياً، حيث يتم إعداد بطاقة دخول لكل عائلة ممن وصلت أسماؤها للمجلس بغية تسهيل عملية الدخول والخروج للأهالي والقيام بأعمال الترميم وإدخال مواد البناء.

قوائم أسماء من يُسمح لهم بالدخول الى داريا -إنترنيت
قوائم أسماء من يُسمح لهم بالدخول الى داريا -إنترنيت

لكن أبو سالم من سكان مدينة داريا نفى كل تصريحات النظام، مشيراً الى أن قوات الأسد ما تزال تفرض قيوداً على دخول السكان إلى المدينة، ويتطلب الأمر الحصول على موافقة أمنية، حيث يقوم الأهالي بالتسجيل لدى المكتب التنفيذي التابع لبلدية داريا الذي يرفع الأسماء الى مكتب الأمن الوطني ليقوم بإجراء الدراسات الأمنية عليها، ومن ثم إعادة ارسالها الى مكتب البلدية الذي ينشر بدوره أسماء الموافقات على صفحته على الفيس بوك، علماً أن الحصول على موافقة أمنية قد يستغرق خمسة أشهر وربما أكثر من عام.

وأضاف أبو سالم لموقع فوكس حلب أن “الموافقة أمنية لا تخوّل صاحبها العودة للسكن في داريا، وإنما فقط يُسمح له بالدخول عدة ساعات لتفقد بيته والقيام ببعض أعمال الترميم، أما العودة الدائمة فتكون عبر الارتباط بشبيحة النظام أو دفع رشاوى ضخمة للحواجز، إضافةً الى أن هناك عائلات شيعية كثيرة استقدمتها إيران للإقامة في داريا تحت ذريعة وجود مقام السيدة سكينة”.

آثار الدمار جراء قصف النظام على داريا -فوكس حلب
آثار الدمار جراء قصف النظام على داريا -فوكس حلب

وأكد أحد سكان داريا فضّل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، أن “النظام يطلب من السكان إعادة ترميم منازلهم على نفقتهم الخاصة دون أن يقدم لهم أي تعويضات، وهذا يعتبر مسألة مرهقة للأهالي، كون كثير من البيوت تعرضت لدمارٍ كبيرٍ وتحتاج لمبالغٍ كبيرةٍ لإعادة ترميمها، في ظل ارتفاع أسعار مواد البناء، فضلاً عن تقاضي حواجز النظام إتاوات مقابل السماح بإدخالها، وهذا دفع كثير من السكان للعزوف عن إعادة الترميم، بينما اكتفى البعض الآخر بإجراء إصلاحاتٍ بسيطة”.

آثار الدمار جراء قصف النظام على داريا -فوكس حلب
آثار الدمار جراء قصف النظام على داريا -فوكس حلب

وأضاف أن “تكلفة ترميم أي منزل في داريا لا تقل عن مليوني ليرة سورية، كما أن حواجز النظام تمنع أحياناً إدخال مواد البناء حتى مع وجود موافقة رسمية بغية الحصول على رشاوى”، وتابع قائلاً “حصلت على موافقة أمنية وحين وصلت الى الحاجز المتواجد على المتحلق الجنوبي للدخول إلى داريا طلب مني الحاجز مبلغ 25 ألف ليرة سورية مقابل السماح لي بالمرور، فقررت عدم الدخول لكن عناصر الحاجز أرغموني على دفع المبلغ والدخول لعدة ساعات”.

صراع روسي إيراني على داريا

سيطرت قوات النظام على كامل داريا بدعم كبير من الميليشيات الإيرانية التي سعت للتوغل في المدينة عقب الاستيلاء عليها، ونظَّمت طهران عقب ذلك عدة فعاليات شيعية داخل داريا، وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تُظهر قيام عشرات الأشخاص بممارسة “اللطميات” الشيعية داخل مقام السيدة سكينة وسط المدينة.

مقام السيدة سكينة المزعوم في داريا -إنترنيت
مقام السيدة سكينة المزعوم في داريا -إنترنيت

وتدّعي إيران أن داريا تحتوي على مقام السيدة “سكينة بنت الحسين” وتم بناؤه عام 2013، لكن أم منير من مهجري داريا نفت صحة تلك الادعاءات، ولفتت إلى أن “القبر الذي شيّدت حوله إيران المقام الديني يعود لشيخٍ جليل من سكان المدينة توفي منذ سنوات طويلة، لكن طهران عمدت للترويج أن ذلك القبر يعود للسيدة سكينة وذلك لتشجيع العوائل والمقاتلين الشيعة على التوجه لداريا للإقامة فيها تحت ذريعة ممارسة الشعائر الدينية وحماية المقدسات”.

وتتمتع داريا بأهمية استراتيجية لإيران، كونها قريبة من مراكز القيادة الحساسة “للفرقة الرابعة” التي يقودها ماهر الأسد المرتبط بعلاقات قوية مع الإيرانيين، إضافةً الى أن المدينة تقع جنوب السفارة الإيرانية، ولا تبعد عنها أكثر من خمسة كيلومترات، وعن مطار المزة العسكري سوى مئات الأمتار.

وأبرم مسؤولون إيرانيون عقداً مع النظام يقضي بإعمار ثلاثين ألف وحدة سكنية تتضمن إسكان الضباط الإيرانيين في مربع أمني في داريا نظراً لقربها من مفاصل مواقع النفوذ الإيراني، إضافة إلى شراء مساحات واسعة من قبل الشيعة في محيط مقام “السيدة سكنية” المزعوم.

وفي المقابل استشعرت روسيا الخطر الإيراني، وأرسلت وفداً روسياً في حزيران الماضي، واطّلع على الأوضاع في داريا، حيث وزع أربعمائة سلة غذائية على العوائل التي سُمح لها بالعودة، ووجه أوامره للنظام بالإسراع في إعادة الخدمات إلى المدينة.

وفد من مركز المصالحة الروسي يزور داريا -إنترنيت
وفد من مركز المصالحة الروسي يزور داريا -إنترنيت

وقال الصحفي غياث الذهبي لموقع فوكس حلب: إن “ملف داريا انتقل من يد إيران إلى روسيا، ولاسيما عقب تصاعد الخلاف بين طهران وموسكو، وسعي الأخيرة لتحجيم الدور الإيراني في المنطقة بالتنسيق مع إسرائيل”، مشيراً الى أن “التدخل الروسي في داريا عجّل في عودة الخدمات للمدينة، علماً أن زيارة الوفد الروسي تزامنت مع عمليات فتح الطريق وإزالة الأنقاض، وهي رسالة روسية بأنها هي من تساهم في تقديم الخدمات للأهالي وليس إيران”.

مخطط لنهب ممتلكات الأهالي

وضع النظام في نيسان 2018 مخططاً تنظيمياً لمدينة داريا، وتم تقسيم المناطق التي ستتم إعادة تنظيمها إلى أربع: المنطقة الجنوبية بمساحة 61 هكتاراً، والمنطقة الجنوبية الغربية بمساحة 47 هكتاراً، والمنطقة الشمالية (الخليج) 65 هكتاراً حيث تتضمن تلك المساحات أنواعاً مختلفة من السكن ومدارس وخدمات صحية وإدارية واستثمارية وحدائق عامة، أما منطقة مركز المدينة والتي تبلغ مساحتها 33 هكتاراً فستتم معالجتها بتأمين أبراج سكنية مختلطة الاستعمال.

وجرّف النظام الجهة الشمالية من داريا والممتدة من مطار المزة العسكري وصولاً إلى مدخل المدينة من جهة المتحلق الجنوبي أو ما يعرف بدوار الباسل، حيث أزيلت جميع منازل المدنيين بحجة “أن المنطقة حرم مطار بالكامل”، فضلاً عن تهديم عدة منازل في مناطق أخرى من داريا بحجة المخالفات وعدم الترخيص، مع تحذير الأهالي من العمل على إعادة البناء دون الحصول على ترخيص نظامي من مجلس المدينة.

آثار الدمار جراء قصف النظام على داريا -فوكس حلب
آثار الدمار جراء قصف النظام على داريا -فوكس حلب

وقال غياث الذهبي إن “المخطط التنظيمي لداريا، ليس إلا محاولة لسلب أملاك السكان وتغيير ديمغرافية المدينة كما يحصل في أحياء القابون وجوبر شرق دمشق، والدليل على ذلك أن الأسد يسعى لإعادة الإعمار في داريا وفق القانون رقم 10 وليس القانون رقم 66 الذي شمل القدم والعسالي وبساتين الرازي وأجزاء من كفر سوسة، وذلك كون القانون رقم 10 يتيح له الاستيلاء على عقارات السكان غير الموجودين في المدينة وغير القادرين على العودة لإثبات الملكية فيها”.

كما عمل بعض السماسرة الإيرانيين إلى الاستيلاء عقارات المدنيين عبر استغلال القانون رقم 10، حيث عمدوا إلى تقديم دعاوى غيابية مدعومة بوكالات مزورة من كاتب العدل على أساس أن العقار لهم، مستغلين عدم قدرة سكان داريا المهجّرين على رفع دعوى ضد أي أحد استملك عقارهم، إضافة إلى أن السجلات العقارية في داريا تم إتلافها بشكل شبه كامل.

خدمات خجولة

وعقب مرور ثلاث سنوات على سيطرة النظام على داريا، ما تزال الخدمات شبه غائبة عن المدينة، وقال القيادي السابق في إحدى فصائل المعارضة في داريا “نهاد الحو” إن “الكهرباء والمياه غير متوفرة، فضلاً عن دمار معظم شبكات الصرف الصحي وانتشار الأنقاض في كثير من أحياء المدينة، واقتصرت خدمات النظام على إزاحة الركام من بعض الطرقات الرئيسية لتسهيل عملية تنقّل العناصر والميليشيات في المدينة، وتحقيق أرباح من وراء إعادة تدوير الأنقاض التي رفعها، إضافة إلى إنارة بعض الشوارع التي تقع فيها الحواجز والمؤسسات التابعة للنظام فقط”.

إعادة ترميم جامع أنس بن مالك في داريا -فوكس حلب
إعادة ترميم جامع أنس بن مالك في داريا -فوكس حلب

وأعلنت محافظة “ريف دمشق” التابعة للنظام منتصف الشهر الماضي، عن إعادة تفعيل خط السير إلى مدينة داريا، بعد توقفه لسبع سنوات على خلفية المعارك والحصار الذي شهدته المدينة، وقال أبو سالم أحد سكان داريا “في ظل الاستياء الكبير للأهالي وعزوفهم عن العودة للمدينة نتيجة غياب الخدمات فيها، سعت روسيا للتدخل عبر إرسال وفد إلى داريا في تموز الماضي”.

وأضاف أبو سالم “أعطت موسكو توجيهات بضرورة البدء بالمشاريع الخدمية، وهو ما اضطر الفرقة الرابعة التي تتولى إدارة المدينة لإعطاء الموافقات الأمنية لمجلس البلدية للبدء بالعمل الخدمي، حيث شرعت بمد خطوط المياه، وصيانة شبكات الكهرباء والصرف الصحي، وافتتاح خط سرافيس يمر عبر المدخل الوحيد لداريا في المتحلق الجنوبي، وتفعيل المستوصف الصحي الوحيد الذي تم تأهيله”.

وفد من مركز المصالحة الروسي يزور داريا -إنترنيت
وفد من مركز المصالحة الروسي يزور داريا -إنترنيت

بدوره أفاد غياث الذهبي، أن “روسيا سعت لتسهيل إعطاء الموافقات الأمنية للأهالي الراغبين بالعودة، حيث تم إعطاء ثلاثين ألف موافقة، لكن لم يعد سوى خمسة آلاف بسبب غياب الخدمات والخوف من الملاحقة الأمنية، لذلك عمدت موسكو إلى إرسال وفد للاطلاع على وضع المدينة والتسريع في إعادة الخدمات، كون ذلك سيساهم في تشجيع الأهالي على العودة إلى بيوتهم، وهو ما يخدم المشروع الروسي الرامي للترويج لعودة الحياة إلى طبيعتها في سوريا”.

تعرضت داريا لحصار دام نحو أربع سنوات بدأ أواخر عام 2012 وانتهى في شهر آب عام 2016 بسيطرة نظام الأسد والميليشيات الإيرانية عليها، وتهجير نحو ألفي شخص من مقاتلي المعارضة وعائلاتهم نحو الشمال السوري، بينما بلغ عدد الضحايا الموثقين بالأسماء في داريا، الذين قُتلوا على يد النظام 2712 شخصاً، بينهم 174 تحت التعذيب، بحسب فريق التوثيق في داريا.