“إن مقدار الدقة والضبط في التعامل مع الواقع والآخرين يدل على مدى السيطرة على الوجود” مصطفى حجازي في كتابه “مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور”.

ينقسم المزاج الشعبي السوري وما ينتج عنه من ردود أفعال في المناطق التي وفد إليها، أعداد كبيرة من أهالي المناطق الذين أجبروا على ترك بيوتهم وقراهم بفعل القصف الكثيف والممنهج عليها، إلى سمات عديدة تتدرج بين اليأس والإحباط والرضى بالواقع، إلى سرديات ألمية وصولاً إلى ما يمكن اعتباره “خطاباً للكراهية”، وما بين لوم الذات أو البحث عن أشخاص وظروف لإلقاء اللوم عليها.

ومن خلال متابعة ما يكتب على وسائل التواصل الاجتماعي، وما يحصل فيها من نقاش يمكن التفريق بين عددٍ من السمات يجمعها الحساسية المفرطة، وتنامي الشعور بالقهر والغضب في كثير من الأحيان، أولها الاحتماء بالماضي كوسيلة دفاع عن الحاضر والتمترس خلفه دون محاولة لتغييره أو الإضاءة عليه ودون تخطيط مستقبلي أيضاً، إذ يبدو المستقبل بالنسبة إليهم غائماً وغير واضح المعالم.

يلجأ أصحاب هذه الفكرة إلى التغني بالظروف الماضية، ومقارنتها بالأحوال الحالية، وهو ما يمكن ملاحظته عند الكثير من الذين لجؤوا إلى الدول المجاورة أو إلى أوروبا، ومردّ ذلك إلى انعدام الاستقرار في الواقع الذي يعيشونه، ويتنامى هذا الخطاب عند الاصطدام ببعض القرارات الجديدة في تلك الدول، أو نتيجة الصدمة المباشرة مع حقيقة “الحياة القاسية والعملية جداً”، وكمية البيروقراطية، يضاف إليها الانتظار والظروف المعيشية الصعبة، خاصة مع تناقص درجات التعاطف مع “اللاجئين السوريين”، وبروز أصوات جديدة وعالية تعتبرهم “مشكلة وعائقاً، لا ضحايا”، ودخول قضيتهم في السياسات الداخلية لهذه البلدان ومسار جدل بين الأحزاب السياسية (تركيا وألمانيا تمثلان صورة واضحة عن ذلك).

في الداخل السوري ينظر إلى المسألة بشكل مشابه في المدن والقرى التي نزح إليها أعداد كبيرة من السكان، يرى أولئك الأشخاص أن هناك ظلم قد وقع عليهم، خاصة في طريقة تعاطي أصحاب هذه المناطق مع الوافدين، وبسبب الظروف الاقتصادية السيئة وحالة اليأس والإحباط المرافقة لخسارة قراهم وبيوتهم وأملاكهم وضعف الاستجابة الدولية وطول المدة الزمنية، يلجأ كثير منهم إلى التعبير عن مشاعره سواء على صفحات التواصل الاجتماعي أو من خلال جلسات النقاش والحوار، دائماً ما تحضر ذكريات الماضي يضاف إليها في بعض الأحيان “تضخيماً” للاستقرار والحياة الهانئة التي كانوا يعيشونها، مع غياب واضح للحديث الواقعي حول الصعوبات والاستغلال والتسلط العسكري الذي كان موجوداً في هذه المناطق، شأنها شأن الأماكن التي وفدوا إليها، مع اختلاف بدرجاته.

الطبيعي أن يجد الإنسان في “داره” موطناً مصغراً لا يمكن التمتع بلذة العيش بعيداً عنه، وأن تخلق مشاعر الحنين وذكريات المكان حالة من تجميل المكان الذي كان في السابق مصدر مظلومية وسردية ألمية، وبغياب القدرة على العودة إليه يتحول إلى ما يشبه الحلم ويسعى الجميع إلى توصيفه بعيداً عن المحاكمة العقلية بل من خلال الإحساس والمقارنة غير العادلة.

يكتفي أصحاب هذه الفكرة بالتغني بماضيهم مع مقارنة الواقع الحالي، ويجدون أنفسهم أسرى لتلك الأفكار التي طغت على يومياتهم، ليركنوا لفكرة الغربة، وتبدوا عليهم ملامح الحزن والسكون.

اليائسون والمحبطون هم فئة أخرى تجد ملامحها واضحة عند الوافدين واللاجئين السوريين، إذ تعتمد فكرة اللاجئين على تقريع الذات والشعور بالندم، كذلك الشعور بتخليهم عن قضيتهم وهو ما يمنعهم في كثير من الأحيان من الاندماج في المجتمع الجديد، ويحول دون رسم مستقبل واضح لحياتهم سواء على الصعيد العلمي أو العمل، وتغلب على أحاديثهم وكتاباتهم عقدة الذنب والشعور باليأس سواء من “انتصار الثورة التي فارقوها لأسباب كثيرة يحاولون جاهداً تبريرها في كل مناسبة”، أو من العودة كـ “خيار لم يعد متاحاً بعد أن وصلوا إلى حالة من الأمن الذي غاب عنهم خلال سنوات الحرب”، تبدو سوريا عند هؤلاء أكثر بعداً وتلك حقيقة لا يمكن تجاهلها، ولا ينسون في كل حديث عابر مع أحد أقاربهم أو أصدقائهم تصدير مشاعر الإحباط التي يعيشونها والتذكير بأيامهم الماضية، حتى في لقاءاتهم وعند التعريف عن أنفسهم.

في الداخل السوري ترتفع درجة الإحباط واليأس مع كل خسارة عسكرية أو تقدم لقوات النظام أو حركة نزوح جديدة، تزيد المشاهد الواقعية التي يرونها من حدّة السردية الألمية، كذلك من عودة المشاعر والأحاسيس القديمة لتهدم حالة التعايش التي وصلوا إليها بعد عناء مع ظروفهم وأماكنهم الجديدة.

في الوقت نفسه ومع ارتفاع حدة الألم يعلو خطاب واضح عن الهروب من الواقع والاعتراف بالمسؤولية المباشرة وإلقاء اللوم على الآخرين، سواء على الفصائل العسكرية أو الحكومة والمجالس المحلية بالرغم من أحقية هذا اللوم في جزء منه، وصولاً إلى الأشخاص وأصحاب الأملاك والتجار والأسواق وبائعي الخضار، وغالباً ما يغيب النقاش العقلي أو الحوار الهادئ، لصالح الصراخ والانفعال الذي قد يصل في بعض الأحيان إلى التخوين أو اتهام الآخرين بمشاركة “نظام الأسد” في معركته ضدهم، كذلك الدعاء عليهم بمصير مشابه من النزوح لتذوق الكأس نفسه التي يقولون إنهم يعمدون إلى “سقياهم منه”، وسرعان ما تجد في التعليقات موافقة شديدة من معظم الفئات التي ذكرناها سابقاً، ويبدو أن هؤلاء يعبرون بلسان حالهم، مع غياب واضح من قبل “المتهمين” إن صح التعبير للردّ عن أنفسهم وتبرير أفعالهم، كذلك يغيب الخطاب العاقل لعدم الانزلاق إلى مهاترات وحوار طرشان، إذ يصعب بمكان المناقشة وتقديم الحجج في لحظات القهر الشديد، وعدم الاستماع.

يردّ من التقيناهم في الداخل السوري من المناطق التي وفد إليها النازحون بأنهم يتصرفون معهم بحالة طبيعية، فغلاء الأسعار ليس مرتبطاً باستغلالهم لقضية الوافدين، مع التأكيد على وجود بعض الحالات، إلّا أنهم يرجعون الأمر إلى ظروف الحرب نفسها، خاصة فيما يتعلق بارتفاع الدولار وما يفرضه هذا الارتفاع من زيادة في الأسعار، كذلك الإتاوات التي تفرض على المعابر، واستيراد معظم المواد من تركيا بأسعار لا تتناسب مع دخل المواطن السوري، أما فيما يخص ارتفاع الإيجارات فيرى قسم ممن التقيناهم بأن إيرادات المنازل هي كل ما تبقى لعدد كبير من العائلات في هذه المناطق مع غياب فرص العمل، وتتناسب طرداً مع ارتفاع أسعار المعيشة، ناهيك عن ما قالوا إنه “لا مبالاة” من قبل بعض الوافدين بأثاث هذه المنازل ونظافتها، كذلك بعض التخريب الحاصل فيها، يضاف إلى ذلك النبرة العدائية التي يقابلون بها في كثير من الأحيان.

كثرة الطلب وقلة البيوت فرض أيضاً ظروفاً خاصة على السكان وساهم في هذه الارتفاع من خلال المضاربة، ولا ينكر هؤلاء إن عدداً من الأشخاص استغلوا ظروف الوافدين وفرضوا مبالغ كبيرة كبدل إيجار على منازلهم إلّا أن هذا الأمر لا يمكن تعميمه، ويرون في خطاب الكراهية الذي يطلق ضدهم “مجحفاً ومخالفاً للحقيقة”، وإن أوصافاً تطلق عليهم كـ “اليهود وعملاء النظام” هي أوصاف مؤذية وتزيد من احتقان السكان في المنطقة.

تحميل وزر ردود الأفعال هنا للآخرين وسلوكياتهم قد يكون مخالفاً للحقيقة، وعلينا البحث عن آلية إنصاف لا تنمية خطاب كراهية، قد يتحمل مسؤولية تشكيلها المجالس المحلية من خلال فرض قوانين معينة على الجميع، والحد من حالة الفوضى المنتشرة في الأسعار وغياب الرقابة.

مصطفى أبو شمس -سلام زيدان