تقضي الفتاة، خاصة في عمر المراهقة، ساعات من وقتها وهي تنظر في المرآة محاولة إخفاء بعض العيوب التي تفرضها طبيعة المرحلة العمرية وتؤثر بوجودها على الحالة النفسية وتترك آثاراً وندوباً تشغل الفتيات، فيلاحقن، عبر التجارب المماثلة، حكايات صديقاتهن والشائعات المنتشرة لبعض الخلطات ومواد التجميل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويزرن الصيدليات وأطباء الجلدية للتخفيف من هذه الآثار التي تعدّ مرحلية في كثير من الأحيان، ولكن “من يقنع فتاة بالصبر؟” حتى وإن كان لما تستخدمه أضراراً قريبة أو بعيدة وآثاراً جانبية قد تكون خطيرة في بعض الأحيان.

يكثر في الآونة الأخيرة بين الفتيات استخدام دواء الريتان “أيزوتريتينوين” ويُعرّف بحسب الموسوعة الطبية على أنه “شكل من أشكال فيتامين A يقلل من كمية الدهن الصادرة من الغدد الدهنية في الجلد، ويساعد الجلد على تجديد نفسه بسرعة أكبر. يستخدم الأيزوتريتنون لعلاج حب الشباب العقدي الشديد الذي لم يستجب للعلاجات الأخرى، بما في ذلك المضادات الحيوية”، ويتواجد في الصيدليات السورية على شكل كبسولات بثلاثة عيارات (10-20-40).

تقول أنعام (18 عاماً من مدينة إدلب) إنها عانت من انتشار العدّ أو ما يسمى “حب الشباب” خلال فترة دراستها الثانوية لدرجة وصفتها بـ “غير المعقولة”، تروي أنها كانت مثار “استغراب ودهشة” كل من يراها، حتى صديقاتها في الثانوية واللواتي تجنبن صحبتها خلال هذه الفترة ما جعلها “تشعر بالاختناق”، على حد قولها، واستعدادها لشرب “حتى السمّ” إن كان سيعيد لوجهها نضارته.

لجأت أنعام إلى أحد الأطباء الذين وصفوا لها دواء الريتان بعد إجراء التحاليل اللازمة، وقلل من أهمية الشائعات التي ترافق استخدامه، مؤكداً على وجود بعض الأعراض الجانبية كالتشقق في الشفاه والوجه، والتي عمل على التخفيف منها عبر “كريمات خاصة”، تقول إن حبّ الشباب اختفى بشكل كلي بعد انتهاء مدة العلاج، كذلك غابت آثاره الجانبية أيضاً.

براءة (22 عاماً) من مدينة إدلب قالت إنها لجأت إلى كافة الوصفات الشعبية والمتداولة لتخفيف حب الشباب الذي انتشر في وجهها، تضحك وهي تقول إنها “استخدمت الليمون وخلطات مختلفة من الكريمات، كذلك معجون الأسنان!” دون جدوى، بل تشقق وجهها وأصبح في “حالة يرثى لها”، على حدّ قولها، و”أدلى كل بدلوه” من النصح بقشر الفواكه والخضار، أو الانتظار حتى الزواج بحُجة أن “حب الشباب يختفي بعده”، إلى أن بدأت باستخدام دواء “هيماتريت” بعد لجوئها للطبيب، الذي أكد لها أنه يحمل نفس تأثيرات دواء الريتان، وطلب منها “عدم الحمل في حال تزوجت خلال فترة العلاج وبعده بمدة”، تجاوزت كلفة الدواء أربعين ألف ليرة، دون فائدة أيضاً.

جنى (طالبة جامعية في إدلب) قالت إنها استخدمت دواء الريتان دون إجراء التحاليل واستشارة الطبيب، تقول إنها رمت “علبة الدواء” بعد أيام من استخدامه عند رؤية حجم التشقق والجفاف على “شفتيها”، بينما رأت صديقتها جميلة “إنه علاج مميز أعاد لوجهها ألقه وصفاءه”.

ويعتبر الريتان علاجاً نوعياً لا يصرف إلا بموجب وصفة طبية، وله آثار جانبية يجب تفاديها من خلال إجراء التحاليل المناسبة واتباع التعليمات وعدم اللجوء له إلا من خلال استشارة الأطباء، إلّا أن كثيراً من الفتيات يستخدمنه دون اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة، كذلك ساهم الفهم الخاطئ والشائعات في تضخيم أعراض الدواء، ما دفع البعض إلى اعتبار استخدامه “مقامرة خطرة” أيّاً كانت الأسباب والنتائج.

بعض تلك الشائعات يستند على رواية طبية صحيحة، أما أكثرها فيتدخل الخيال في صناعتها يقول طبيب الجلدية سليمان الأحمد، منها “تسببه بالعقم والسرطانات الجلدية”، وفرض “عدم الزواج على مستخدميه قبل مرور أشهر على انتهاء الكورس العلاجي والذي يتراوح بين 12 -16 أسبوعاً”، كذلك ما قالته بعض الفتيات اللواتي التقينا بهن عن تسببه بـ “فرط الدم” وفتح “طاقة تحت الجلد”، وتأثيراته على عمل “الكبد”، والتي نفاها الطبيب قائلاً “لم أفهم المقصود بفرط الدم وطاقة الجلد، ولا يوجد مرض بهذا الاسم في الأساس”.

ويكمل الطبيب إن دواء الريتان لا يؤثر على “القدرة الإنجابية ولا يسبب العقم”، ويقتصر ضرره على “تشوه الأجنة” في حال تم استعماله خلال فترة الحمل، وخلال فترة شهرين بعد استخدامه “فترة عمره الحيوي في النسيج الشحمي”، وهذا الأمر مختص بالنساء فقط وليس عند الذكور، إذ يتدخل الـ “أيزوتريتينوين” بعملية الانقسام الخلوي عند النساء.

ولا يسبب الدواء “السرطان” يقول الطبيب إن هذه الشائعة خاطئة ولا تستند إلى أساس علمي، بل يعتبر “أيزوتريتينوين” من الأدوية المضادة للسرطانات الجلدية، كذلك لا يسبب “العمى” بل “تشوش الرؤيا الليلة خلال فترة الاستخدام بسبب جفاف العين، وتزول هذه التأثيرات بإيقاف الدواء، وينصح الأحمد باستخدام “مرطبات العين والدموع الصناعية وتجنب استعمال العدسات اللاصقة”، خلال مدة العلاج.

الجمال أم الصحة

“كلاهما لازم للحياة” تقول روان (طالبة في كلية الصيدلة)، ولكنها ستختار بحسب “الوضع والمخاطر المحتملة”، أما وفاء فتقول إن المجتمع وخاصة الأزواج يفرضون أحياناً اللجوء لاستخدام بعض الأدوية لترتاح المرأة مما وصفته بـ “النق والنقد”، تضحك وهي تروي لنا أنها “استخدمت فيتامينات عديدة لإرضاء رغبة زوجها في أن يكون شعرها طويلاً وغزيراً، ما أدى لزيادة في وزنها ليبدأ حديث آخر عن حلّ مشكلة البدانة”، ترفض عبير وريما الحاضرتان في الجلسة استخدام أدوية بآثار جانبية أيّاً كان السبب الشكلي، تقولان “معقول منشان كم حبة شباب ضر صحتي وأدفع كل هالمبالغ”، سوياً أطلقتا العنان لمثل شعبي يقول “لا بدي نام بين القبور ولا شوف منام وحشة” بالرغم من تأكيد الأطباء أن الشائعات خاطئة ولا أساس لها من الصحة.

يؤكد بحث منشور على موقع “الطبي” ما قاله الطبيب، ويطلب من مستخدمي الدواء إجراء التحاليل التي تشمل فحص تعداد الدم CBC (ويشمل فحص تعداد الصفائح الدموية)، كذلك فحص الحمل للنساء المتزوجات اللاتي في سن الإنجاب (يجب إجراؤه مرتين قبل البدء بالعلاج، وكليهما يجب أن ينفي حدوث الحمل) ويجب إجراؤه أثناء العلاج (شهرياً لاستبعاد حدوث الحمل)، وبعد شهر من انتهاء العلاج. مع فحص مستوى الدهون في الدم (يجب إجراء فحوصات الدهون، الكوليسترول والدهون الثلاثية) قبل البدء بالعلاج وبعد شهر من بدء العلاج. بجانب فحص وظائف الكبد (يجب إجراء فحوصات وظائف الكبد قبل شهر وبعد شهر من بدء العلاج). والأهم فحص سكر الدم لمرضى السكري (قد يؤدي أيزوتريتينوين إلى زيادة مستوى السكر في الدم، لذا يفضل إجراء فحص السكر في الدم لمرضى السكري). في الوقت الذي ذكر البحث بعض الأعراض الجانبية تختلف عما يتناقله الناس، وهي ما شرحه الطبيب سابقاً، نتيجة عدم اطلاعهم على ذلك النوع من الدواء.