للشعوب ذاكرتها الجمعية التي أرشفت حياتها من خلال قصص وسرديات منقولة بشكل متواتر، كانت في زمن ما الوسيلة الأهمّ، خاصة في البيئات الريفية، يتصدّى لها أشخاص يعرفون بذكائهم الفطري وحضورهم الجاذب الذي يضفي على القصة شيئاً من الحياة لتعاد في كل مرة بانبهارها الأول، ولتغدو رفيقة سهرات الشتاء قبل أن تحلّ التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي كبديل أكثر شيوعاً وأقل ألفة.

لم تكن حالة الفراغ التي يعيشها سكان ريف إدلب الجنوبي شتاء في انتظار مواسمهم، بعد الانتهاء من أعمالهم الصيفية، جامدة بل كانت حياة مليئة بالتفاصيل المتنوعة غلب عليها السهر وتبادل القصص، يجتمعون شيباً وشباباً في واحد من البيوت يستمعون إلى أحداث وقع معظمها في بلداتهم أو البلدات المجاورة، أبطالها فلاحون بعضهم ما زال على قيد الحياة، أو من الذين انتهت آجالهم وورث أبناؤهم ما وُسموا به من حكايات يجمع بينها بساطة الطرح وخيال الراوي.

حيكت القصص من أحداث واقعية، شابها التضخيم والمبالغة أحياناً، إلّا أنها اتسمت بما يألفه ويخافه السكان في المنطقة، وغلب في بنائها الحديث عن ضباع أو ذئاب مفترسة، أو جنّ يظهر ويختفي بأشكال وهيئات مختلفة، بيئة القصص كانت تفرض نفسها في كل مرة، ساعدها على ذلك جغرافية المكان المليء بالوحشة والدروب المقفرة والمغاور وبساطة المتلقي.

كان قتل أحد الضباع مدعاة للتفاخر، يتناقل الناس قصة بطلهم في أماسيهم، مع ما يضيفه الراوي من “بهارات” خاصة عن المكان والليل والوحشة وحجم الضبع وحديث البطل، كثيراً ما كانت تروى القصة بأشكال مختلفة بحسب راويها، إلّا أنها تعتمد على جذر واحد، وشخص معروف باسمه ونسبه، وهو ما كان يضفي عليها نوعاً من المصداقية التي تحتاجه لتعيش في الأذهان.

(ضبع وادي السبيل) شكّل المادة الخام الأكبر في قصص أبناء الريف الجنوبي، والذي تردد في أمسيات كفرنبل وحاس وقرى كثيرة أخرى غرب معرة النعمان، و”السبيل” واد غير عميق يتسع في أماكن ليضيق في أخرى، على طول المسافة التي يتلوى فيها ليشكل حاجزاً طبيعياً بين بلدتي كفرومة وحاس، يضم على جانبيه مغاور وفتحات شكلت أوكاراً ملائمة لسكن الضبع وحيوانات أخرى، إلا إن الضبع أشهرها، لما تمتع به من “سطوة مخيفة” عند السكان، ولمن لا يعرف الضبع، هو حيوان مفترس ارقط الجلد، حاد الأنياب، تقصر قدماه الخلفيتان عن الأماميتان ما يمنحه ظهراً منحنياً، وهو ما جعل لأهالي يطلقون عليه وصف (الأسلت). يغلب على طعامه تناول الجيف لكنه يصطاد إن لم يجد ما يقتات به، ومما يروى عنه أنه يقوم بالسيطرة على فريسته بنثر بوله عليها، إذ شاع عند الأهالي احتواء بوله على مواد تؤثر في أعصاب الفريسة فتشل حركتها جزئياً، وقدرته على استقراء وجه الخائفين وتمييزهم عن أولئك الرجال الذين يتمتعون برباطة الجأش.

والدي كان أحد الخائفين حال ملاقاته للضبع، هذا ما أدركته عندما سرد على مسامعنا في إحدى ليالي الشتاء الباردة ونحن متحلقين حول المدفأة قصته مع ضبع وادي السبيل في ليلة لا قمر فيها.

“كلفني جدكم المرحوم بحمل نقالين من العنب من بلدة بليون لأقصد سوق السقيلبية بريف حماة، ابيع حملي وأعود”. يقول والدي، “وصلت السوق قبيل الظهيرة بعد مسيرة ساعات بدأتها قيبل الفجر، أفرغت حمل حماري عند تاجر الجملة (بائع الكومسيون)، وقفلت راجعاً من طريق معرة النعمان، لشراء بعض الحاجيات”.

بعد أن أخذ سحبة من لفافة تبغه العربي أكمل “حثثت السير باتجاه الشمال لأصل المعرة بعيد عصر ذاك اليوم، جلت سوقها وتبضعت الأغراض التي أوصوني بها أهلي، واسترحت قليلاً، تناولت غدائي وسقيت حماري بعد أن فككت عنه النقالين الفارغين ليستريح”. (النقال عبارة عن صندوق خشبي مفتوح من الأعلى، متوسط الحجم يتسع لما يقارب الخمسة وعشرين كيلو غراماً من العنب وخلافه، يوضع اثنان منهما على ظهر الدابة ويربطان معاً).

أنهى والدي غدائه، فأعاد النقالين مكانهما على ظهر الحمار، وقصد طريق الغرب، ووجهته كفرنبل. كان الوقت قد جاوز المغرب بقليل، وفي هذا الوقت يعزف كثر عن السفر فالطرقات لم تكن كما هي عليه في يومنا، كانت ترابية وضيقة وموحشة في معظم أجزائها، فلا إضاءة سوى ضوء القمر أو النجوم، ولا عابرين في الغالب بعد أن تتجاوز بيوت أي من القرى الموجودة على الطريق.

“سرت بجوار حماري المتعب”، يقول والدي “ما إن جاوزت عمران المعرة حتى سرت في جسدي قشعريرة سببها الظلام الذي هبط سريعاً، كان لابدّ من المرور بوادي السبيل للوصول إلى القرية، وهنا شعرت برهبة المكان، فالوديان كما يقولون مأوى للحيوانات والجن، لكني قرأت المعوذات وتابعت مسيري”.

في منتصف الوادي حرن الحمار، حاول والدي جره من رسنه دون جدوى، وما هي إلا لحظات حتى انهالت عليه حصى كثيرة من جانب الطريق الشمالي، اختبأ والدي خلف حماره ليحتمي من الحصيات المتطايرة تجاهه، تطلع ناحية مصدر الحصى ليتراءى له الضبع، وهو يرشق الحصى بقدميه الخلفيات، ليبث الرعب في قلب والدي، وقد نجح في ذلك فعلاً.

وصف والدي حاله وقتها “جثيت على ركبتي وتسارعت دقات قلبي، وعبثا حاولت أن أصرخ بعبارة (تخسا)، التي يقال إنها تجعل الضبع ينسحب، سمعت نفسي أصرخ لكن لساني لم يسعفني لأتلفظ بها، وأثناء موجة خوفي تلك أتت من يدي حركة نحو خصري لتصطدم بمسدس قديم (ردنيه) مذخر جلبته معي لمثل هذه المواقف، استشعرت القوة من مسدسي، سحبته وصوبته جهة مصدر الحصى، وضغطت الزناد وأنا مغمض العينين، علا على إثرها صيحة مدوية صادرة عن الضبع، تراكض نحوي راعيان تصادف مرورهما بالجوار، أضاء أحدهما بيله (مصباح الجيب)، نحو الكومة السوداء التي تئن وإذ به الضبع يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد أن اصابته رصاصتي اليتيمة، “وكانت رمية من غير رام، كما يقولون”.

“سقاني أحد الرعيان الماء، وهدؤوا من روعي قليلاً ورافقوني حتى بيوت حاس، المضحك بالأمر وقتها، هو حماري الذي راحت قدماه تسابق الريح جرياً، بعد أن شم رائحة الضبع الذي حمل جثته الرعيان إلى قريتهما، ما أثار خوف الحمار فأسرع بالمسير”. كما يقولون ” الفزع يذهب الوجع”.

مات ضبع تلك الليلة، لكن ضبع وادي السبيل ظل يظهر للناس بين الفينة والأخرى، فالوادي يعج بالضباع والتسمية لم تكن تعني ضبعاً بعينه، وما حدث مع والدي حدث مع كثر قبله وبعده، وتواترت الروايات والحكايات حول كيف تمكن فلان من قتل الضبع، والبعض وصلت به المفاخرة حداً ليقول إن أحدهم قتل ضبعاً بيديه العاريتين، نعم فالخوف الذي كان ينشره ذكر الضبع، يستدعي المفاخرة بقتله الذي أصبح ضرباً من ضروب البطولة في ذلك الوقت، ومحركاً لروايات تنسج حوله، تشابه بطولات الفرسان وحكايات الزير وعنترة التي اشتهرت في الموروث الشعبي العربي. فدائماً تبحث الشعوب عن صور البطولة لتمجدها.

اختفت روايات الأمس عن الضبع وهالة الخوف المرتبطة به، من سهرات أيامنا هذه، فمتغيرات عدة طرأت على مجتمع المنطقة منذ ذاك الوقت، كمستوى الوعي الذي تنامى لدى أغلب أبناء غربي المعرة، والتطور الحضاري الذي ترافق مع طرقات معبدة ووسائل نقل سريعة لا يتسرب لها الخوف من الضباع، وانحسار وجود الضبع نفسه عن الظهور كما كان في السابق لكثرة العمران والحركة ليلاً ونهاراً.

ما زال وادي السبيل راسخاً في مكانه يمر به الذاهبون والعائدون، ومازال الضبع يسكن مغاور الوادي المترامي الأطراف، دون أن يعبأ العابرون بما كان للوادي ولضبعه من صيت وشهرة في الماضي، ودون أن يعايشوا تلك اللحظات التي عايشها والدي وكثر أمثاله، ممن عاشوا أيام البساطة العفوية، وتحولت قصصهم إلى إرث تحكيه الجدّات لأحفادهن، والرواة لسمّارهم في شتاءات المنطقة الطويلة.

محمود يوسف السويد