كثيرة هي الصور والفيديوهات التي نشرت في الآونة الأخيرة عن ضحايا المجازر التي ترتكبها قوات الأسد وروسيا، هي لقطات أقل ما يقال عنها إنها “مؤذية”، مؤذية جداً لدرجة نقل العجز الذي نشعر به من مكان داخلي في قرارة أنفسنا إلى صورة واضحة أمام أعيننا، نعترف فيها بخيباتنا المتكررة وتولّد فينا شعوراً من الألم دفع بعضنا إلى الصراخ أو اليأس وأحياناً إلى التخلي عن الإنسانية بالدعوة إلى ما لا يدخل في قواميسنا عن الثأر من أي مكان وأيّاً كان من سيدفع الثمن.

يوم أمس استيقظ العالم على صورة لأب يصرخ وهو يضع يديه على رأسه فيما يمدّ يده الأخرى لإنقاذ طفلته، طفلته التي تمسك هي الأخرى بيد أخيها الصغير قبل أن يسقط بعد أن دمّرت غارة جوية المنزل الذي يؤويهم، سبقها فيديو للدكتورة رانيا قيصر وهي توجه رسالة إلى العالم بعد قصف خلّف مجزرة في مدينة معرة النعمان، كانت تبكي وهي تطالب بالتوقف عن القتل، وفي اليوم نفسه أظهر مقطع فيديو “رجل إنسان” بترت نتيجة القصف، كانت بعيدة عن صاحبها الذي لا نعرف إن كان ما يزال على قيد الحياة، إلّا أن الصورة توحي بأنه تحول إلى أشلاء متناثرة في أرجاء المكان.

يقول عبد المنعم الأحمد (أحد شهود المجزرة الأخيرة في أريحا) إن ما تتناقله وسائل الإعلام ليس الحقيقة، هو جزء يسير منها، فلا أحد يستطيع نقل الخوف في أعين الناس وسماع دقات قلوب الأطفال المتسارعة، لا يمكن بحال من الأحوال أن تنقل الرائحة أيضاً، وإن كان المخيال يسمح، خاصة لمن عايش حالات قصف مشابهة في السابق، ببناء تصورات عما يحدث، إلّا أن الأمر اختلف عن سابقه، ما يحدث اليوم جريمة مكتملة ووقحة دون مداراة أو مواربة، وحجم الدمار وأعداد الضحايا يفوق حدود أي تصور مسبق، هي إبادة جماعية لكل شيء بدءً من الإنسان والبنى التحتية وليس انتهاء عند رغبة الناس بالحياة وتمني الموت.

يروي لنا الأحمد إن المزاج العام في الشارع بدأ يأخذ شكلاً غير مسبوق هو الآخر، فبعد كل مجزرة واستهداف تضعف الرغبة في استمرار الحياة ضمن الظروف الحالية، يتمنى الناس الموت، وفي طريقهم الذي وصفه بـ “اليائس” يطالبون بالموت للجميع، يتمنون لو أن الحياة تنتهي هنا، إذ لا يختلف ما يعيشونه عن “القيامة”، مع فارق بسيط ينتجه إيمانهم بأن هناك عدالة في مكان ما هناك في السماء، أما في الأرض فالعدالة ملك للأقوى في ظل تجاهل العالم للكارثة التي ضاق صدرهم وصبرهم عنها بعد كل تلك السنوات من الإهمال وعدم الاكتراث.

أم محمد التي فقدت واحداً من أطفالها منذ ما يزيد عن عامين بقصف استهدف منزلها تقول إن هواجس كثيرة تخطر في بالها كل يوم، ترسم حكايات وأحداث متخيلة مرّة عن محكمة ميدانية يُقدّم فيها المجرمون إلى العدالة، ومرّة عن سلاح خفي تستطيع من خلاله قتل من يساهم في قتل الأطفال، أحياناً ترسم سيناريو لقنبلة كبيرة، ربما تكون نووية، تقضي على الجميع لينتهي هذا الوجع الذي يرافقها.

لا تتمنى أم محمد الموت لمدنيين آخرين في المقلب الآخر، إلّا أنها تراهم شركاء فيما يحدث، وإن بدرجة أقل من أولئك الطيارين الذين ينتهكون كل القيم الإنسانية، تقول إن مشاعر انتقامية تراودها في بعض الأحيان، ربما تكون وليدة اللحظة، إلّا أنها وسرعان ما تتراجع عنها، ولكنها ايضاً تريد محاسبتهم على مواقفهم وتكذيبهم لما يحدث، “هم يعرفون الحقيقة ولكنهم يحاولون طمسها”.

الشاب علي قال إنه يتمنى أن “يذوق الآخرين طعم الخوف الذي يرافقنا، أن يفقدوا بعض ما فقدناه ليشعروا بنا”، ويطالب علي في كل مكان يجلس فيه الفصائل العسكرية بالردّ وقصف الجهة المقابلة، إحراق قلوب الأمهات هناك، ونقل الشعور بالعجز للآباء الذين يراقبون موت أطفالهم دون أن يقدروا على تغيير أي شيء، “تلك هي العدالة” يخبرنا علي الذي قال إنه لم يعد مؤمناً بالقيم والمبادئ، هي لا تنفع، وهو لا يريد أن يتميز عن غيره، فالجزاء من حيث المنطق عليه أن يكون من جنس العمل، وإن كنا نموت في كل يوم لأجل الشعارات وبقية حياة، فعليهم أيضاً أن يموتوا لأجل شعاراتهم وما تبقى من حياة عندهم، لا نريد أن نكرم أو ينظر إلينا كأبطال من عالم مثالي أو فرسان نبلاء، نريد أن نعيش، ومع المعادلة المفروضة اليوم “حياتهم بموتنا”، فلماذا لا يكون العكس، لماذا لا تكون حياتنا نحن بموتهم هم.

هناك دعوات انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي تتضمن في داخلها المطالبة بالرد على ما يحدث في مناطق المعارضة، إلّا أنها قوبلت برفض الفئة الأكبر من أهالي هذه المناطق وناشطيها، وجاء الرد عليها في مناسبات كثيرة وحتى في التعليقات على منشورات الأشخاص أنفسهم، يقول الطبيب النفسي محمد شعبان إنه ليس بالإمكان قياس ما إن كان أصحاب هذه المنشورات وصلوا إلى كلامهم عن قناعة وتفكير أو كردة فعل عما يحدث، الألم واليأس والخذلان والمشاهد المرعبة والمخيفة غالباً ما تولد حالة من التطرف الفكري وردود أفعال خاطئة ليس على صعيد الفكر بل على صعيد السلوك أيضاً.

يسعى الإنسان بغريزته للبقاء، يحارب من أجل ذلك،  يكمل الطبيب الذي رأى إنه ليس بالإمكان في ظل الظروف الحالية “قياس تنامي العنف” عند الأشخاص، وإضفاء حكم عام على تغير الشخصية السورية الثائرة، وإن هذا التطور غير مألوف في مناطق المعارضة رغم وجوده بدرجة أوضح في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، عبر عشرات الفيديوهات والمنشورات التي تصف جميع من يسكن مناطق المعارضة بالإرهابيين أيّاً كانوا سواء أولئك الذين يحملون السلاح وصولاً إلى الأطفال، فهم جميعاً مشاريع إرهابية يجب القضاء عليها، كان آخرها الهاشتاغ الذي انتشر في مدينة حلب تحت عنوان “حلب تنادي جيشها” والذي طالب فيه بعض الأهالي الجيش بالتدخل للحسم وسحق المعارضة، بعد مقتل عدد من أبناء المدينة في قصف اتهمت به فصائل المعارضة، سبقه دعوات كثيرة في كل مرة تفشل فيها عملية عسكرية وتخلف عدداً من القتلى، أو عند أي استهداف يطال القرى والمدن الموالية، ورفض كثر من الموالين لأي اتفاق أو هدنة حتى وإن كان الثمن إحكام سيطرتهم على مناطق جديدة وتهجير سكانها منها، والتفاخر بصور القصف والشعارات المليئة بدعوات القتل والموت التي ينشرها بعض الجنود التابعين لقوات الأسد، والتعامل مع ما يحدث بدم بارد ذلك أنّ سكان هذه الأماكن لا يستحقون الحياة، ومنها الصورة التي تظهر “بوطاً عسكرياً” لجندي من قوات الأسد من على مروحية فوق مدينة خان شيخون التي تتعرض لهجوم شرس منذ ما يزيد عن أربعة أيام.

لا يمكن التعويل على ما ولّدته الثورة السورية من مبادئ لرأب الفجوات التي خلفتها سنوات الحرب، بما انطوت عليه من دمار وقتل وتفاوت في الآراء وما خلفته من أحقاد، إلّا أن ما يمكن الاعتماد عليه حقاً هو تحقيق شيء من العدالة بمحاسبة المجرمين والذي سيفتح الباب على مصراعيه لتعايش من شأنه تخفيف حدّة الانتقام والسعي نحو “عقلنة” الصراع الذي تغذى على جذور من الطائفية خلال السنوات الماضية، وإلى أن يتحقق ذلك يعيش قسم كبير من أبناء الثورة حالة من الضياع بين الفعل ورده، يقول بعضهم “أوقفوا هذا العالم.. نريد أن ننزل”.