تُحاصر طائرات الاستطلاع حياة من تبقى في قرى وبلدات ريف إدلب وحماه والذين يعيشون فيما يشبه السجون الكبيرة، يتحايلون على ظروفهم لتأمين الخدمات الأساسية بعد أن دُمرت معظم المرافق والبنى التحتية، وبات ليلهم “معاشاً” يسعون فيه فيما يشبه المقامرة للحصول على رغيف خبز أو علبة دواء.

القصف الممنهج أجبر مئات الآلاف من سكان هذه المناطق على النزوح، فيما حالت الظروف من قدرة عائلات على الالتحاق بأقرانهم، وتنوعت أسباب البقاء بين “عدم توفر القدرة المالية على النزوح واستئجار منزل أو خيمة للسكن”، وهو حال صلاح (يعمل كبنّاء) الذي آثر البقاء برفقة زوجته وأطفاله الخمسة في منزلهم، يقول “في كل يوم أتعرض للانتقاد من قبل أقاربي وأصدقائي بسبب بقائي في البلدة التي تتعرض للقصف، لكن ظروفي المالية تمنعني من المغادرة، فلا قدرة لدي على تأمين بدل الإيجار ووسيلة النقل”، مؤكداً أن “بقاءه في البلدة هو المرّ، ونزوحه هو الأمرّ والأقسى”.

ليست الظروف المالية وحدها من أبقت بعض السكان في قراهم، يقول الحاج سليمان الذي بقي برفقة زوجته في منزلهم إنه يفضل إكمال ما تبقى من حياته داخل جدران منزله، فهو لا يحتمل قسوة النزوح والابتعاد عن المكان الذي حمل ذكريات مراحل عمره كافة، مستنداً على يقينه بأن “الأعمار بيد الله”. أمّا أحمد وهو (ناشط صحفي ويعمل في الشأن الطبي) فقال إن واجبه الإنساني في إسعاف المرضى وعلاج المصابين هو ما دفعه للبقاء، إلّا أنه قام بإرسال زوجته وأطفاله إلى مكان أكثر أمناً في الشمال.

يصف من التقيناهم الحياة في هذه المناطق بـ “القيامة المصغرة” التي تبدأ أحداثها مع شروق شمس كل يوم، إذ غالباً ما توقظهم أصوات طائرات الاستطلاع الباحثة عن أهدافها، وتمثل حركة المدنيين أبرز ما يستوجب القصف، بحسب عبد القادر الذي قال إن الطائرات الحربية تبدأ باستهداف كلّ ما رصدته طائرات الاستطلاع بعد وقت قليل، لتبدأ بعدها الطائرات المروحية بإلقاء البراميل المتفجرة كيفما اتفق، وبطريقة عشوائية تهدف لتدمير المنازل والبنى التحتية أيّاً كان ساكنوها ومدى أهميتها. “أحياناً تبقى المروحيات ما يزيد عن ثلاث ساعات في الأجواء” بحسب الأهالي الذين قالوا إن مغادرة الطائرات المروحية تستوجب بالضرورة بداية عمل راجمات الصواريخ المتمركزة في معسكرات “جورين وبريديج” بعشرات الصواريخ العنقودية والقذائف، لمنع إسعاف المصابين وحركة الناس وإجبارهم على النزوح أو الموت.

غروب الشمس موعد “الحربي الرشاش” الذي يرصد مختلف الطرق لشل حركة القرى والبلدات ومنع أي شيء من الدخول إليها، أما الساعة التاسعة من مساء كل يوم فيطلق عليه الأهالي “ساعة السيمرتش”، وتتحول المنطقة إلى مدن للأشباح بعد توجه الأهالي إلى الملاجئ والاختباء يقول مصطفى (ضابط منشق عن نظام الأسد (إن “وزن الصاروخ يتجاوز ثلاثمائة كيلو غرام، بطول ثلاثة أمتار وقطر ثلاثمائة ميليمتر، وقدرته التدميرية توازي البرميل المتفجر، ويتم قذفه بواسطة راجمة السيمرتش العملاقة على القرى والبلدات دون هدف محدد”، غالباً ما يتم استهداف البلدات بهذه الصواريخ بمعدل سبعة إلى خمسة عشر صاروخاً يومياً، يكمل مصطفى.

لا أفران خبز عاملة في هذه القرى ولا دكاكين للسمانة أو لبيع الخضار، المنشآت والمراكز الطبية دُمّرت (الإصابة أو المرض يعادل الموت، خاصة وأن أقرب النقاط الطبية تبعد ما يزيد عن ثلاثين كيلو متراً، مع استحالة الوصول بسبب الاستهداف للآليات المتحركة)، أبراج الانترنيت نقلها أصحابها إلى أماكن نزوحهم الجديد منعاً من استهدافها أيضاً، كثيراً ما ترى السكان على أسطحة المنازل للحصول على برج لإرسال رسالة عبر الواتس آب للاطمئنان على ذويهم، أو لشرح ظروفهم، أما المياه فغابت صهاريج النقل واعتمد السكان الذين لم يغادروا على مياه الآبار و والجمع، وغدت تلبية الاحتياجات اليومية أشبه ما يكون بالعمل الفدائي الذي تقاسمه شبان هذه المناطق بشكل دوري.

يقول عبد الله “نظمنا أنفسنا نحن الشباب في الحي، لتأمين احتياجات الأهالي اليومية وعلى رأسها مادة الخبز بعد تدمير كافة الأفران في المنطقة أو إغلاقها. بشكل دوري يقصد عدد من الشبان القرى المجاورة لجلب المستلزمات، عليهم تأمينها والعودة قبل شروق الشمس خوفاً من طائرات الاستطلاع، لتبدأ مع ليل اليوم التالي مهمة شبان جدد في تكرار العملية نفسها، بالرغم من وحشة الطريق وصعوبة الوصول”.

حسن الحسين