تنشط في مثل هذه الأيام صناعة شراب “قمر الدين” والذي تعتبر الغوطة الشرقية المكان الأول على مستوى العالم في انتاجه، لكن الحصار والقصف العنيف للنظام السوري على تلك المنطقة، أثّر بشكلٍ كبيرٍ على كمية الإنتاج الذي تدهور أكثر بعد استيلاء الأسد على الغوطة وتهجير معظم سكانها، إلا أن بعض العاملين في تلك المهنة سعوا إلى تحدي كل الظروف ومواصلة العمل لتأمين مصدر دخلٍ لهم، والحفاظ على على تلك المهنة العريقة من الاندثار.

تعتبر صناعة قمر الدين من المهن العريقة في الغوطة الشرقية، ويُصنع من المشمش المتوفر بكثرة فيها (يوجد حوالي أربعين صنفاً من المشمش، بينها البلدي والعجمي والأنواع الهجينة)، لكن قمر الدين يعتمد على الصنف البري أو ما يُعرف باللهجة الدارجة (الكلابي(، كما يمكن أن يُصنع قمر الدين من الخوخ أو الدراق، إلا أن هذا النوع غير محبَّذ في الأسواق ويبقى حكراً على البيوت.

صعوبة في تأمين المواد الأولية والتسويق

تأثرت صناعة قمر الدين في الغوطة الشرقية بشكلٍ كبيرٍ خلال السنوات الماضية كحال كثيرٍ من المهن الأخرى، وكان إنتاج المشمش في الغوطة يُقدّر قبل الثورة بحوالي ستين ألف طن سنوياً، لكنه تراجع في السنوات الأخيرة ليصل في العام الماضي بحسب تقديرات “لجنة سوق هال القطاع الأوسط في الغوطة” إلى خمسة آلاف طن، نتيجة تعرض أشجار المشمش للقطع واستخدام خشبها في الطهي والتدفئة.

وتنتشر معظم أشجار المشمش في مدن وبلدات القطاع الجنوبي من الغوطة الشرقية والتي سيطر عليها النظام منتصف عام 2016، إذ عمد ضباط الأسد إلى قطع أشجار المشمش المتواجدة في بلدات المليحة، دير العصافير، مرج السلطان، الغزلانية، حرستا القنطرة، زبدين، وحتيتة التركمان بين عاميّ 2016 و2018، انتقاماً من الأهالي وبنفس الوقت بيع أخشابها للتجار، حيث يقوم الضابط بتضمين قطعة أرض لأي تاجر بمبالغ مالية ضخمة، مقابل السماح له بقطع كل الأشجار المتواجدة في تلك القطعة.

يقول أبو أيمن (مزارع من مدينة عربين في الغوطة الشرقية) لفوكس حلب إن “قسماً من أشجار المشمش قطعه النظام وباعه، والقسم الآخر حرقه لتسهيل تقدم قواته خلال الحملة العسكرية التي شنّها على القطاع الجنوبي للغوطة بين عامي 2015- 2016، كما منع الأسد مزارعي الغوطة من بيع المشمش في أسواق دمشق، وهو ما ساهم  في كساد الانتاج وانخفاض سعر الكيلو إلى خمسين ليرة سورية، وهنا يقوم الأسد بإرسال تجار من طرفه لشراء المشمش بذلك السعر المنخفض، وبيعه في أسواق العاصمة بسعر يتراوح بين 400-500 ليرة للكيلو الواحد، وهو ما دفع كثر من المزارعين  للعزوف عن زراعة المشمش”.

وتعد مدينة عربين بريف دمشق المركز الرئيسي لصناعة قمر الدين، إلا أن تلك الصناعة تراجعت بشكلٍ كبيرٍ، نتيجة تراجع إنتاج المشمش خلال السنوات الماضية (سابقاً كانت تصل نسبة زراعته إلى 50٪ من بين أشجار الفاكهة في الغوطة)، حيث بات إنتاج المشمش بالكاد يكفي الاستهلاك المحلي، وبالتالي أصبح العجز الذي حصل نتيجة قطع وحرق أشجار المشمش، يحتاج عشر سنوات لتعود صناعة قمر الدين الى طبيعتها وتلافي العجز الذي حصل خلال السنوات الماضية.

وكانت الغوطة قبل حصارها تضم حوالي 60 ورشة لتصنيع قمر الدين، لكن أبو أيمن أوضح أن “أغلب المعامل الكبيرة كالدرة والأحلام التي كانت تُنتج كمياتٍ ضخمةٍ من قمر الدين توقفت عن العمل، ولم يبقَ حالياً سوى ست ورشات في الغوطة فقط، ثلاثة منها في عربين ومثلها في بلدة دير العصافير”.

وللمشمش أنواع عديدة، إلّا أن “الكلابي هو أفضل الأنواع لصناعة قمر الدين، بسبب نضجه الكافي وليونته خاصة النوع ذا البذور المرة” بحسب أبو أيمن الذي قال إن باقي الأنواع تصلح لإنتاج قمر الدين ولكن بجودة أقل، وهو ما يفسر اختلاف النوع والجودة في إنتاجه بين الغوطة وباقي المحافظات السورية كحمص وحلب التي تغيب فيهما زراعة المشمش الكلابي.

تشهد صناعة قمر الدين الكثير من الصعوبات، ولاسيما فيما يخص تأمين المواد الأولية وتسويق المنتج، وفي هذا الإطار قال الصحفي غياث الذهبي من مهجري الغوطة: “رغم سيطرة النظام على الغوطة قبل أكثر من عام، إلا أنه لا يزال يفرض حصاراً على أهلها، وهناك صعوباتٍ كبيرةٍ في إدخال المواد الأولية اللازمة لصناعة قمر الدين كالسكر والقطر وبعض مواد التعقيم، حيث يتقاضى النظام أتاوات مقابل السماح بإدخالها، وكذلك خلال عملية تصريف قمر الدين خارج الغوطة، ما يجعل هامش الربح لدى التجار ضئيلاً للغاية”.

وأضاف الذهبي لفوكس حلب أن قلة أشجار المشمش (القطاع الجنوبي كان يضم 70% من أشجار المشمش قبل أن يتم قطعها من قبل النظام) والتهجير الأخير لكثيرٍ من سكان الغوطة والتضييق الأمني على من بقي منهم، ساهم في قلة اليد العاملة، واضطرت النساء للعمل في ورشات تصنيع قمر الدين، فضلاً عن صعوبة تأمين الكهرباء والمعدات الأساسية للصناعة، كلها عوامل أثّرت على تلك الصناعة العريقة وزادت العبء على أصحابها.

في الحصار قمرالدين بديل للغذاء

استمرت صناعة قمر الدين خلال فترة الحصار التي شهدتها الغوطة على مدار ست سنوات، وكانت بمثابة وجبة غذائية للمدنيين لتعويض الشح الغذائي ولاسيما في فصل الشتاء، حيث لم يعد يسمح النظام بإدخال المواد الغذائية، فضلاً عن سيطرة الأخير على مساحاتٍ زراعيةٍ واسعةٍ، فلجأ المحاصرون للاعتماد على قمر الدين والمشمش المجفف كمصدرٍ بديلٍ للغذاء.

وقال أحد سكان الغوطة فضّل عدم ذكر اسمه لأسبابٍ أمنيةٍ “خلال فترة الحصار استمرت بعض الورشات في عربين بانتاج قمر الدين، لكن الأسد كان يمتنع في بعض الأحيان عن إرسال المواد الأولية اللازمة، ما يدفع العاملين في الورشات الى إنتاج (قمر الدين دايت)، وهو نوع خالٍ من السكر والقطر، وذلك للاستفادة من كميات المشمش الكثيرة قبل تعرضها للتلف، وبيعه لسكان الغوطة”.

وأضاف أن “إنتاج قمر الدين انخفض إلى أقل من النصف خلال فترة الحصار، في ظل القصف العنيف وصعوبة تأمين المواد الأولية وانخفاض القدرة الشرائية للسكان وتعذر تسويقه خارج الغوطة”، مشيراً إلى أن “بعض المصنّعين عمدوا إلى خلط المشمش مع اليقطين أو الجزر أو الشمام لخفض التكاليف وتمكين السكان المحاصرين آنذاك من شرائه بسعرٍ مقبول”.

“قمر الدين” مهجر إلى الشمال

هُجر عدد كبير من سكان الغوطة الشرقية إلى الشمال المحرر في 2018، واصطدموا بواقعٍ جديد، في ظل سوء وضعهم المادي، لكن بعض المهجرين سرعان ما تأقلموا مع الواقع الجديد ونقلوا مهنهم معهم، فعمد بعض مهجري عربين إلى افتتاح ورشات لتصنيع قمر الدين في ريف حلب، إذ تم افتتاح ورشتين في مدينة عفرين، وأخرى ثالثة في مدينة الباب بريف حلب الشرقي.

يقول يحيى هاشم من مهجري عربين “افتتح مجموعة من الشبان المهجرين من عربين، ورشة لتصنيع قمر الدين مستفيدين من خبرتهم في هذه المهنة التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، حيث يُزرع المشمش بشكل كثيف في عفرين، ولكن ليس بالجودة التي كان يتمتع بها المشمش المزروع في الغوطة الشرقية، إلا أنه يفي بالغرض”.

وأضاف يحيى “يتواجد في المحلات المنتشرة في الشمال السوري شراب قمر الدين، والذي يتم تصنيعه في حمص وحماه، ولكنه ليس بنفس الجودة التي يُصنّع بها في الغوطة، لذا وحين افتتح بعض مهجري عربين ورشةً لتصنيع قمر الدين في عفرين، سارعت لشرائه فهو يذكرني برائحة الغوطة، فكان هذا الشراب العريق حاضراً على مائدة كثيرٍ من المهجرين خلال شهر رمضان الماضي، كما اعتادوا على ذلك في بلداتهم على مدار عقودٍ من الزمن”.

ومع تواجد مئات الآلاف من المهجّرين في الشمال السوري، فإن صناعة قمر الدين تعتبر مهنة مربحة، في ظل توفّر المواد الأولية اللازمة له، وسهولة تسويقه في الشمال المحرر، أو إلى تركيا التي تضم أكثر من أربعة ملايين لاجئ سوري في أراضيها.

هكذا نحصل على “قمر الدين”

تعتمد صناعة قمرعلى عدة مراحل أساسية، تبدأ بقطاف ثمار المشمش، ومن ثم يُغسل جيداً، وتتم تعبئته ضمن صناديق ووضعه ليومٍ كاملٍ في غرفةٍ صغيرة تُدعى “المبخرة”، عبر إشعال مادة زهر الكبريت والاستفادة من البخار الصادر عنها، بغية تعقيم حبات المشمش بشكلٍ جيد وتنقيته من الشوائب والحشرات الزراعية، وبعدها يدخل إلى آلة أخرى تُدعى “القشارة” للتخلّص من القشور.

في المرحلة التالية يتم عصر ثمار المشمش ورمي بذورها جانباً، ويُضاف إليها السكّر والقطر مع التحريك المستمر، ثم تُصفى لأربع مرات متتالية، وتبدأ مرحلة التجفيف، حيث يقوم العمال بنقل العصير لقنوات خشبية (الدفوف) والتي تتواجد في الهواء الطلق، حيث تتعرض لأشعة الشمس الحارقة، لكن يُشترط دهن الدفوف بزيت الزيتون الأصلي كي لا يختلف طعم المنتج النهائي.

يُترك عصير المشمش لأربعة أو خمسة أيام تحت أشعة الشمس ليجفّ تماماً، وتُنقل الشرائح الجافة للمستودعات بغرض تنظفيها وتقطيعها ومن ثم تعبئتها وبيعها، وتستغرق المرحلة الأخيرة عدة أسابيع، وتتطلب المراحل السابقة مهارة وحرفية وخاصةً في مرحلة التجفيف، حيث يجب سكب العصير ضمن الدفوف بكمياتٍ متساويةٍ للحصول على شرائح من قمر الدين لها نفس الارتفاع.

تاريخ عريق وفوائد مذهلة

يعتبر قمر الدين شراب من المشروبات السورية العريقة، وكان أول من تناوله الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان الذي كان يحب التجول في الغوطة كثيراً، ويزور دوما كل فترة مع أقاربه وضيوفه، حتى سُميت مدينة دوما “حديقة الأمويين”، وفي إحدى زياراته إلى الغوطة قدّم له أحد الأشخاص هذا الشراب الذي أعجبه كثيراً، وصار الشراب المفضّل عنده.

أما سبب تسميته بهذا الاسم فيعود لعدة روايات، منها أن الشخص الذي قدمه للخليفة كان اسمه قمر الدين، وهناك من قال إن هذا الشراب كان يُطرح في الأسواق قبل شهر رمضان بيوم، فوجوده متعلق برؤية هلال أو قمر رمضان، أما الرواية الثالثة فتقول إنه كان في الغوطة بلدة تنتجه واسمها أمر الدين، وحُرفت مع الزمن إلى قمر الدين.

أما الاحتمال الرابع وهو الأقرب إلى الصحة لتسمية قمر الدين بهذا الاسم، هو أن إحدى خاتونات المماليك في مصر تدعى “قمر الدين” كانت مولّعة بهذا الشراب، وكانت في رمضان تتصدّق به على الفقراء لأنه كان غالي الثمن في مصر، كما كانت تستأجر السقائين في أيام الحر لتقديمه للناس في الطرقات مجاناً لإطفاء الحر والعطش، ومن كثرة ما كانت توزع وتتصدق من هذا الشراب أطلق الناس في مصر اسمها على هذا الشراب، ثم انتقل هذا الاسم مع الزمن إلى خارج مصر وانتشر في باقي البلاد.

ويتميز شراب قمر الدين بفوائدٍ كثيرة، فهو فاتح للشهية ويقلل من الشعور بالعطش ويساعد على معالجة الجفاف والإسهال وسوء الهضم، ويقوي الأعصاب ويخفف التعب، لكنه يعتبر ضاراً لمرضى السكري لاحتوائه على كمية كبيرة من السكر.

وكانت سوريا تحتل المرتبة الأولى عربياً والثالثة عالمياً بعد الولايات المتحدة وإيران في إنتاج قمر الدين، وكانت تصدره إلى مصر ودول الخليج وتركيا وباكستان ودول المغرب وأغلب الدول الإسلامية، لكن إنتاجها تراجع خلال السنوات الماضية مع تصاعد الحرب في البلاد.