ليست علب السردين وحزم المعكرونة وبعض مواد التنظيف ما يحتاجه المهجرون قسرياً إلى الشمال السوري، بالرغم من أهميتها، إلّا أن التعلّم ومحاربة الجهل وتمكين الأطفال وتوجيه مستقبلهم يبقى الجانب الأهم الذي يجدر القيام به ودعمه، ليس علينا الاستسلام لليأس بل صبّ الجهود في مكانها الصحيح، يقول الأستاذ أحمد الياسين (مدير ومشرف) في مدرسة تدمر الأهلية.

تأسست المدرسة في العام 2015 ببلدة حزانو (شمال إدلب) من قبل خمسة عشر مدرساً بعد التهجير القسري الذي تعرض له سكان مدينة تدمر (وسط سوريا)، ونزوحهم إلى الشمال السوري. وتتلقى المدرسة المتنقلة، التي ترافق الوافدين في المناطق المحررة إلى أماكن نزوحهم لتقديم خدمة التعليم المجاني لأبنائهم، دعمها من سكان بلدة حزانو والمكتب التعليمي في البلدة التي احتضنت الوافدين وشجعتهم للمضي قدماً في التحصيل العلمي، وذلك من خلال تأمين الكتب التعليمية والقرطاسية، وتعمل المدرسة بالرغم من حركة النزوح المستمرة على مرافقة الطلاب ورفدهم بالاحتياجات اللازمة، خاصة للطلاب المنقطعين عن الدراسة، والذين فاتهم بعض الصفوف الدراسية، بتفعيل مبدأ الصفوف الداعمة في المدرسة.

لا تتبع المدرسة لأي جهة حكومية، كذلك لا يمكن اعتبارها مدرسة خاصة، وهذا ما جعل القائمون عليها يطلقون مصطلح “الأهلية” على المدرسة التي تنتمي للقطاع الثالث، وسميت بـ “تدمر” نسبة إلى المدينة السورية القديمة والتي هُجر معظم سكانها، وشهدت تدميراً ممنهجاً لمعالمها الأثرية ولمنازل أبنائها، إضافة لعمليات التغيير الديموغرافي التي طالت المنطقة من قبل قوات الأسد وحليفة الإيراني، يقول الياسين إنهم أرادوا بهذا الاسم الحفاظ على اسم المدينة في الذاكرة، والتأكيد على وجود سوريا مصغرة في الشمال السوري، تضم جميع الوافدين والمهجرين.

تضم المدرسة ما يزيد عن مئة وعشرين طالباً وطالبة من مهجري تدمر والغوطة وأماكن مختلفة، كما يوجد في سجلات المدرسة أكثر من سبعمائة طالب استفاد من الخدمات التعليمية منذ نشوء المدرسة وحتى الآن، وتستقبل المدرسة المراحل الدراسية من الصف الأول وحتى الصف السابع وتسعى حالياً لإدراج صفوف جديدة حتى إنهاء المرحلة الإعدادية.

يعمل الكادر التدريسي والبالغ عدده أحد عشر معلماً ومعلمة بشكل تطوعي تقريباً، يدرسون المقررات المعتمدة من مديرية تربية إدلب الحرة، والاستعانة ببعض أوراق العمل وجهاز عرض لتسهيل عملية التلقي لدى الطلبة، بمساعدة المكتب التعليمي في حزانو وبعض الجمعيات والمؤسسات المهتمة بالتعليم، إضافة لأبناء تدمر اللاجئين والذين يقدمون منحاً شبه دائمة للمدرسة وبشكل مستمر.

تقدم المدرسة للطلاب في فترة الاستراحة وجبات وأطعمة مثل الحليب المطبوخ (السحلب) والذرة المسلوقة (البليلة) وغيرها من المأكولات، بالإضافة إلى الأنشطة التعليمية والترفيهية كالتعلم على الحاسوب ومباريات كرة القدم والمسابقات الشعرية والرسم والأشغال والمسرحيات والاعمال اليدوية والرحلات الصيفية، أما في فصل الشتاء فتقتصر الرحلات على زيارات إلى بعض المعارض بغية الترفيه وإحياء الألعاب الموروثة وبعض البرامج العلمية والتاريخية التي تعرض على شاشة العرض للمساهمة في بناء شخصية الطفل وتدعيم ثقته بنفسه، وتعزيز مهاراته في التكيف و إظهار المرونة الكافية لتقبل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لأهله المهجرين، ولإيجاد جو استشفاء للمتضررين نفسياً من مشاهد الحرب والعنف، وتغذية النشاط الروحي لدى الأطفال ودفعهم باتجاه نوع من اللعب يلائم براءتهم ويساهم في بناء شخصيتهم ويوطد انتمائهم للوطن والجذور ويدفعهم للتشبث بالأرض ويحافظ على شخصيتهم المستقلة المنفتحة على أترابهم بالمجتمع المحلي، وبنفس الوقت من أجل الترويح والاستجمام وتفريغ الطاقات السلبية والتهدئة والإعداد لحياة مستقبلية أجمل، وأيضاً لإحداث تفاعل اجتماعي بناء بين الأطفال.

“فاطمة موفق محمد” طالبة في مدرسة تدمر تقول إنها التقت بوالدها بعد عام من تهجيره إلى الشمال السوري إثر خروجه من الاعتقال، هي الآن تكمل تحصيلها العلمي في المدرسة وتعتبر من الطلاب المتميزين خاصة بمادة الرياضيات وهو ما أهلها للمشاركة في الأولمبياد العلمي الأول الذي أقيم في بلدة حزانو.

يقول الياسين إن المدرسة تسعى لتعيد للأطفال المهجرين شيئاً من ذاكرة الفرح مع حقائبهم المدرسية وألعاب الطفولة، وتهدف هذه المشاريع لمواجهة محاولات التجهيل المعتمدة تجاه الأطفال السوريين بعد تهجيرهم وهدم مدارسهم، كذلك للوقوف ضد محاولات غسل الأدمغة الممارسة من قبل أطراف عديدة في المناطق السورية، وملء الفراغ الذي يعيشه الأطفال والذي يدفعهم لليأس أو اعتناق إيديولوجيات بعيدة كل البعد عن عالم الطفولة البريء، والحدّ من الهجرة “ثمة اسر كثيرة تسعى لضمان مستقبل أطفالا، وغياب التعليم كان أحد أهم الأسباب التي تستدعي التفكير بالسفر خارج البلاد”، ناهيك عن معالجة الأضرار النفسية التي لحقت بالأطفال وأثرت في سلوكهم.

يقلل الياسين من حجم الصعوبات التي واجهت مدرسة تدمر الأهلية، يقول إنهم في الكادر التعليمي وبمساعدة أهالي بلدة حزانو وبعض المنظمات استطاعوا تذليل العقبات، ولا يهمل دور الطلبة وأهاليهم والذين امتلكوا الإرادة الصحيحة لإكمال مسيرة أبنائهم التعليمية.