يلخص كتاب “حياة الفاترينا” الصادر باللغة التركية حياتنا الرقمية التي أضحت أسيرة الرقابة، نبحث من خلالها عن القبول الاجتماعي بين أقرانها أو ربما المنافسة، ونبرز للناظرين أفضل ما لدينا في بيئة افتراضية تسمح لمستخدميها باختلاق الوهم والبقاء في فضاء “الفاترينا” حيث كل شيء جميل.. هناك فقط.

كانت مواقع التواصل الاجتماعي ولازالت محط أنظار العديد من الباحثين فيها، رصدوا سمات مستخدميها النفسية واحتياجاتهم الاجتماعية سلبياتها إلى جانب الإيجابيات، لكن ماذا عن استخدامها في حياة المشاهير وصناع القرار السياسي؟

ليس صعباً على المتصفح لأيّ من مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة إنستاغرام، أن تعترضه صورة يتبعها “كتالوج” غير منتهي عن العائلات المالكة أو زوجات الروؤساء وأطفالهم، وتحظى هذه الصفحات بنسب المتابعة الأعلى، وخلال دقائق فقط على إنشائها.

يطغى وجود نساء الأسر الحاكمة، الأم، الزوجة، الابنة… على تلك الصفحات. ترصد نشاطاتهن الاجتماعية، تفوقهن الدراسي عدا عن لقطات توحي أنها عفوية من حياتهن اليومية لتضفي طابعاً يعكس حقيقة الوهم المُختلق.

ليس الأمر بالجديد على المجتمعات الغربية في ملاحقة أخبار العائلات المالكة وجديدها على الصعيد الاجتماعي والعاطفي، لكن الأمر بدا حديث العهد في المجتمعات العربية خاصةً مع بداية ثورات الربيع العربي، حيث استلمت المرأة “زوجة الرئيس، الملك، ولي العهد..” زمام الظهور على مواقع التواصل الاجتماعي، والإفصاح عن نشاطات اجتماعية لاستجداء تعاطف الشعب من جهة بإبراز الاهتمام الأنثوي للعائلة الحاكمة بقضايا البلاد، وتقي الحاكم من عاصفة انقلاب سياسي تطيح بالحكم وشخوصه من جهة ثانية.

لايمكن إقصاء الغاية السياسية لصفحات زوجات الرؤوساء عن تحليل المشهد “الانستاغرامي”، ليس بغرض الصورة فحسب، إنما المرأة ودورها في إرساء نظام سياسي أو تغييره، والتاريخ خير دليل على قصص نسوة أعلين من شأن دول أو جعلنها “نسياً منسياً”.

رغم قلة الدراسات المعنية بالمرأة ودورها السياسي في صنع القرار إلا أن الدراسات المتوفرة تلك أجمعت على حقائق معينة مفادها أن المرأة تغدو “أيقونة” عندما تأخذ دورها المنوط بها في المجتمع. ليس المرأة نصف المجتمع فقط، إنما صمام أمانه والمُرشد ضمن محيطه، لكن طبيعة المجتمعات المحافظة قد قلصت من أهمية دورها، وجعلتها همزة دون وصل سياسي أو اجتماعي، اتكالية على رب الأسرة مالياً ما يدفعها إلى التنازل مُرغمة عن حق القرار أيضاً، صوتها الذي غُيب بعد أن تحولت الاعتصامات والمظاهرات السلمية إلى اشتباكات مسلحة أرغم المرأة على البقاء في الجو الإغاثي والطبي، وهو ما اعتبرته الدراسات “نقطة ضعف مفصلية مشتركة في كل الثورات”.

في وسط تلك البيئة تبدو زوجات الروؤساء ممن حظين بتعليم في دول أوربية عدة، يتحدثن لغات أجنبية بطلاقة، يرتدين ما اعترفت به دور الأزياء الأوروبية أنها “صيحة” جعلت منهن نساء “مودرن”، كانت الملكة رانيا أبرزهن حتى الآن تليها أسماء الأسد التي بدأت ممارسة دورها الاجتماعي في فضاء الفاترينا ذي الطابع العسكري. رغم حالها الصحي بعيد إصابتها بمرض السرطان إلا أنها كانت ميزة “وهمية” مضافة إلى رصيد زوجة الأسد كأيقونة تزاول أنشطتها الاجتماعية، تحرص على الظهور برفقة زوجها تماماً كالملكة رانيا، تسجل حضوراً في الكثير من مؤسسات النظام التي فقدت ثقتها لدى السوريين منها الصحية التي انتقتها لبدء علاجها من السرطان.

لم يقف الأمر عند ذلك فحسب، بل عملت بعض الشخوص الرئاسية النسوية على انتهاج سياسة “العودة للوراء” وإحياء أحداث حياتية شخصية كزواج ثانٍ للملك، ولادة أول حفيد، تخرج ولي العهد وغيرها من الأحداث التي تمهد لقرارات لاحقة كتنصيب ابن معين دون غيره، تسليم حقيبة وزارية أو نشاط خيري للفتاة. الحرص على إجراء المقابلات مع كبرى الصحف ضمن سياق عائلي. إذ تبدو العائلة الملكية البريطانية المتناقضة بزواج ابني ديانا كـ “مرجعية” اجتماعية وإعلامية لنا ولزوجات الرؤساء العرب.

وكأن صفحات زوجات الرؤساء تجسد الحياة الزوجية كما ينبغي لها أن تكون، ما يجعلها تحظى بالشهرة والاحترام والمتابعة لجديدها والتخفيف من وطأة المعارضة أمام ما تعرضه الفاترينا من “وجه جميل” و”يد معطاءة” و”أم” لا تخلو من لقطات تبرز الرئيس وزوجته “في تناغم” يصبح مصطنعاً أما عدسات الكاميرا.

مايدعم القول حادثة هروب الأميرة هيا بنت الحسين زوجة حاكم دبي ولجوئها إلى بريطانيا لتباشر أولى جلسات دعوى طلاقها من “الشيخ”، “المرأة المتمردة” حظيت باستعطاف حوّل حادثة هروبها إلى قضية رأي عام ترسم إشارة استفهام أُخرى على رأس حاكم الإمارة.