الصفحة الرئيسية تغطية ميدانية أوابد “العيس” المنسية.. بين القصف والسرقة

أوابد “العيس” المنسية.. بين القصف والسرقة

مقاسم سليمان في العيس بعد القصف من قبل قوات الأسد
مقاسم سليمان في العيس بعد القصف من قبل قوات الأسد

 

على بعد ثلاثين كيلو متراً في الجنوب الغربي لمدينة حلب تقع بلدة العيس، وهي الاسم الحديث لمدينة قنسرين الأثرية، يزيد عدد سكانها عن اثني عشر ألف نسمة، ويمرّ من شرقها مجرى نهر قويق قادماً من مدينة حلب.

الموقع الجغرافي والتسمية

وقنسرين موقع أثري في هضبة حلب الجنوبية (40 كم عن حلب) ذو أهمية كبيرة بالنسبة للكنيسة السريانية الأرثوذكسية، وتحوّلت بعد الفتح الإسلامي إلى موقع عسكري هام في المنطقة، ويحمل اسمها أحد أبواب مدينة حلب، بناه سيف الدولة الحمداني، وجُدد أيام الملك الناصر في العام 654 للهجرة. وترجع تسمية قنسرين إلى الحقبة الآرامية، وتعني “قن نسرين = بيت النسور”، واصل التسمية “قنشرين”، إذ تقلب الشين سيناً في اللغة الآرامية، وهو ما يفسر تسميتها.

إحدى المغاور في قنسرين
إحدى المغاور في قنسرين

وعلى أنقاض قنسرين بالقرب من تل صغير يكشف غالبية مناطق جنوب وغرب حلب، إضافة لشرق إدلب بنيت بلدة العيس، والتي تتضمن كهوفاً ومغاور كانت سكناً للنسور الكبيرة، وإلى الشرق منها تقع قلعة قنسرين المغمورة بالتراب حتى هذه اللحظة.

مدخل بلدة العيس من الجهة الشرقية
مدخل بلدة العيس من الجهة الشمالية

وتختلف الروايات في سبب تسمية “العيس”، إذ ترجعها بعض المصادر التاريخية إلى اسم وليّ صالح يدعى “العيس”، بينما ترى مصادر أخرى أن الاسم جاء نسبة إلى الجمل الأبيض ذي السنامين، وهو ما يرمز إلى الطريق الشمالي من البلدة والذي تشعر عند دخولك البلدة من جهته بأنك تمر بين سنامي جمل، ويرجح بعض المنقبين وعلماء الآثار الأمريكيين أن الاسم جاء لوجود قبر النبي “عيسو ” وهو أخ للنبي يعقوب بن إسحاق في البلدة، أما العالم بن حوقل ” الجغرافي والمؤرخ الرحالة ” فيقول إن تسمية العيس ترجع إلى قبة تعلو قبراً لنبي الله صالح .

مدخل بلدة العيس من الجهة الشرقية

 قنسرين في التاريخ

تذكر المصادر التاريخية الحقبة الأولى لقنسرين وتحدد امتداداها الزمني من الآرامية وحتى السلوقية (312 -64 ق.م)، وشهرتها خلال هذه الفترة باعتبارها واحدة من أهم المدن في الشمال السوري، دخلها المسلمون إبان الفتح الإسلامي في العام السابع عشر للهجرة، على يد القائد “أبو عبيدة بن الجراح”، لتصبح أشهر مدن جند المسلمين في ذلك التاريخ، وليُتبع لها مدينة حلب.

آثار قنسرين الضائعة

في قنسرين قلعة أثرية مطمورة بالأتربة يدل عليها بقايا السور الظاهر في أعلاها، إضافة لبقايا سور المدينة الأثرية في الجهة الشرقية منها، ولم تخضع القلعة لأي عمليات تنقيب من قبل البعثات الأجنبية ولم تلاقِ اهتماماً من دائرة الآثار السورية.

بقايا سور قلعة قنسرين
بقايا سور قلعة قنسرين
بقايا سور قلعة قنسرين
بقايا سور قلعة قنسرين

وتحتوي قنسرين أيضاً على عدد من المقابر الأثرية التي تعود للعصور الرومانية، وفيها بقايا أسوارها التي تم نقل أغلبها إلى حلب لإعادة ترميم قلعة حلب، وذلك في عهد القائد نور الدين الزنكي سنة 564 للهجرة، كما تحتوي على عدد من المغاور الأثرية عليها نقوش رومانية وإسلامية من بينها نحت أثري يرمز إلى ملك وملكة يعود للحقبة الرومانية، إضافة لنسر روماني منحوت على واحدة من صخور البلدة، ومقام “سليمان”، والذي يقال إنه قبر لسليمان بن عبد الملك، بينما يرجعه آخرون لوالي قنسرين ويدعى سليمان بن قتلمش. وهناك مغاور قديمة في البلدة يوجد بداخلها رموز أثرية وتعتبر مغارة الضبع أشهرها.

نحت أثري يرمز إلى ملك وملكة يعود للحقبة الرومانية في قنسرين
نحت أثري يرمز إلى ملك وملكة يعود للحقبة الرومانية في قنسرين
نسر روماني منحوت على واحدة من صخور قنسرين
نسر روماني منحوت على واحدة من صخور قنسرين
مغارة الضبع في قنسرين
مغارة الضبع في قنسرين

اقتصرت عمليات التنقيب في قنسرين على بعثة فرنسية زارت البلدة في العام 2010، واعتمدت في تنقيبها على خرائط فرنسية وعثمانية عثرت من خلالها على مواقع أثرية في القسم الشرقي من بدة العيس، وسرعان ما توقف التنقيب واكتفت مديرية المتاحف في حلب بزيارة للمكان في العام 2011، وبعض العروض التقديمية والشروح عن أهمية مدينة قنسرين بين الحاضر والماضي، إذ أكد الدكتور يوسف كنجو “مدير متاحف حلب وقتها” على ضرورة الاهتمام بالآثار الموجودة في قنسرين والسعي للقيام بحملات تنقيب من قبل الجهات الرسمية عن آثارها، إلّا أن هذه الدعوات بقيت مجرد كلام حتى اللحظة.

من عمليات التنقيب التي قامت بها البعثة الفرنسية في قنسرين 2010
من عمليات التنقيب التي قامت بها البعثة الفرنسية في قنسرين 2010

جزء من آثار المدينة كان قد تعرض للهدم، كمقام سليمان الذي دُمر بفعل قصف قوات النظام.

مقام "سليمان" قبل قصفه من قبل قوات الأسد
مقام “سليمان” قبل قصفه من قبل قوات الأسد
مقاسم سليمان في العيس بعد القصف من قبل قوات الأسد
مقاسم سليمان في العيس بعد القصف من قبل قوات الأسد
مقام العيس قبل تفجير عام 2012
مقام العيس قبل تفجير عام 2012

إضافة لمقام العيس أحد المعالم الأثرية الهامة في البلدة والذي قامت مجموعة مجهولة بتفجيره في العام 2012.

كذلك تعرضت أجزاء كبيرة من المعالم الأثرية للضياع والسرقة من قبل الأشخاص وتجار الآثار، إذ انتشرت عمليات التنقيب العشوائي والتفتيش عن اللقى الأثرية وتهريبها إلى خارج البلاد، وذلك على مرحلتين أولاهما مع سيطرة الفصائل العسكرية على المنطقة وغياب آلية رادعة تمنع الأشخاص من التنقيب وثانيهما مع عودة سيطرة قوات الأسد والميليشيات الإيرانية على العيس في تشرين الثاني 2015، والتي استمرت لما يقارب سبعة أشهر، إذ لوحظ بعد خروج هذه القوات من البلدة آثاراً عن عمليات تنقيب واسعة في المناطق الأثرية.

 

يعيش في بلدة العيس اليوم ما يقارب 12 ألف نسمة بعد أن استعادت فصائل المعارضة السيطرة عليها في الأول من نيسان عام 2016، في معارك وصفت بالأعنف في تاريخ الثورة السورية، قتل فيها مئات العناصر التابعين للميليشيات الإيرانية. وتعتبر العيس عقدة مواصلات بين أرياف حلب وإدلب وتشتهر بانتشار العلم بين أبنائها. ويعمل معظم سكانها بالزراعة وتربية المواشي. ويوجد فيها ثماني مدارس ومركز ثقافي، إضافة لثلاث مشافي ومركز طبي وأكثر من عشرة عيادات بمختلف الاختصاصات، توقف أغلب هذه المنشآت عن العمل بفعل القصف الذي تعرضت له بسبب قربها من خطوط الجبهة مع قوات النظام في الحاضر والتي يربطها معها معبر تجاري، وتم مؤخراً إقامة نقطة مراقبة تركية بالقرب من تلّتها تطبيقاً لاتفاق خفض التصعيد.

نقوش رومانية على صخور قنسرين
نقوش رومانية على صخور قنسرين

بقايا سور قلعة قنسرين
بقايا سور قلعة قنسرين