الصفحة الرئيسية تغطية ميدانية بحيرة ميدانكي.. تناقض بين الموت والحياة

بحيرة ميدانكي.. تناقض بين الموت والحياة

يحاول مصطفى تجنب الكلام عن حادثة غرق صديقه محمد في بحيرة ميدانكي، الذاكرة القريبة لغرقه تزيد من قسوة الخبر عليه، سيما وأنه كان حاضراً معه خلال الرحلة التي خططوا لها منذ وقت، يقول “إن محمد كان يعشق المياه، ومنذ أن أصبح الوصول إلى البحيرة متاحاً بعد سيطرة الفصائل عليها، في آذار 2018، كانت تراوده فكرة السباحة فيها، لعلّه كان يختار قدره”.

محمد (25 عاماً من مدينة اعزاز) كان “سباحاً ماهراً” بحسب صديقه، إلّا أن مياه البحيرة ابتلعته أمام عجز الجميع عن إنقاذه، بعد أن خاض في المياه لمسافة طويلة، ليتم انتشال جثته من قبل فرق الدفاع المدني في المنطقة في أيار الماضي.

 

زادت عدد حالات الغرق في بحيرة ميدانكي خلال العامين الماضيين، إذ وثق الدفاع المدني في عفرين غرق 11 شخصاً، منذ بداية موسم الصيف الحالي، و26 شخصاً خلال العام 2018، خاصة مع الزيادة السكانية التي شهدتها المنطقة (من المهجرين قسرياً، خاصة وافدي الغوطة الشرقية وحمص)، وتحوّلها إلى قبلة المصطافين من أهالي الشمال السوري، كونها البحيرة الوحيدة الواقعة في المناطق المحررة.

وبحيرة ميدانكي هي بحيرة اصطناعية تشكلت خلف سد السابع عشر من نيسان (دشن في العام 2004)، ضمن مخطط اقتصادي بدئ العمل به في العام 1984، وأنشئت في العام 2000، تبعد ما يقارب 2 كم عن قرية ميدانكي (15 كم شمال شرق مدينة عفرين)، يبلغ طولها خمسة عشر كيلو متراً بعرض كيلو متر وسطي، وتخرن ما يقارب 190 مليون م3 من المياه، تحيط بها أحراج من شجر الصنوبر والزيتون، وتحيط بقرية كفرجنة (من أهم المعالم السياحية في الشمال السوري).

لا تصنف بحيرة ميدانكي من ضمن “البحيرات الصالحة للسباحة”، يقول الجيولوجي أحمد الفارس، وذلك بسبب توسيع وزيادة عمق البحيرة لتكون مكاناً لتجميع المياه وبناء السد، وليس للسباحة، إلّا أن معظم السكان يلجؤون إليها في موسم الحر للسباحة، ودون دراية بطبيعتها وعمقها والتيارات المائية فيها، وهو ما يفسر ازدياد حالات الغرق خلال العامين الماضيين.

وبحسب إبراهيم أبو الليث (مدير المكتب الإعلامي للدفاع المدني في حلب)، فإن تشكل المرجان وانتشار الأشجار في قاع البحيرة، ووجود دوامات مائية في معظم أجزائها، إضافة لارتفاع منسوب المياه فيها، ساهم في ارتفاع حالات الغرق، إضافة لعدم معرفة المدنيين، خاصة من غير أبناء المنطقة، بالأماكن الأقل خطورة للسباحة على امتداد البحيرة.

ولصخور مجرى نهر عفرين طبيعة قاسية مشكلة من الصخور الكلسية، وهو ما يؤدي إلى اختلاف مستوى انحدار النهر، تلك الطبيعة شكلت في السابق شلالات ميدانكي التي غابت بعد إنشاء السد والبحيرة في مجرى النهر وارتفاع منسوب المياه، ويفسر تباين الانحدارات على أطراف البحيرة، والتي تتشكل من تربة رملية متدرجة في مناطق معينة، وأخرى من صخور حادة على مسافة لا تزيد عن المترين، تليها انحدارات بأعماق متفاوتة خطرة.

حالات الغرق المتكررة دفعت كثيراً من الراغبين بارتياد المكان إلى العزوف عنه، واللجوء إلى أماكن أخرى قريبة كمنطقة النبي هوري ذات الطبيعة الجبلية والتي يتخللها أحد أفرع نهر عفرين، كذلك غياب الأماكن السياحية كالمطاعم والمقاهي وتراجع عددها في الآونة الأخيرة حول أطراف البحيرة، والتي كانت تشكل معلماً سياحياً ومصدراً اقتصادياً لعائلات كثيرة من أبناء المنطقة، قلل من مرتادي البحيرة، لتقتصر على بعض صيادي السمك والراغبين بالسباحة رغم مخاطرها، يقول عمار الرشيد (من مدينة إعزاز) إن فكرة زيارة البحيرة تراوده بين الحين والآخر، خاصة وأنها مرتبطة بذاكرة قديمة حين كان يزورها في الماضي، إلّا أن حالات الغرق المتزايدة “تزيد من تردده في كل مرة يقدم فيها على الرحلة”.

لا توجد قوانين رادعة للسباحة في البحيرة، وبالرغم من حملات التوعية الجوّالة والبروشورات التعريفية بالبحيرة وأخطارها، والتي يقوم بها الدفاع المدني، ونشر ما يزيد عن خمسين شاخصة حول البحيرة تحذر من “السباحة في مياهها”، إلّا أن الأهالي لا يكترثون لهذه التعليمات، وتظهر الصور المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي عائلات تسبح بالقرب من اللافتات، وكأن الأمر لا يعنيهم، فيما تقوم فرق التدخل السريع والإسعاف المتواجدة في محيط البحيرة بمحاولة الإنقاذ في حال حدوث أي طارئ.

على الجسر الروماني المطلّ على البحيرة يقف الناس للتمتع بجمال المنظر الأخاذ، فيما تمر البحيرة من تحته حاملة معها غرق عشرات الأشخاص، وسط غياب للوعي من قبل الأهالي، والحلول الجدية من قبل المسؤولين عن المنطقة لتأمين المكان والحدّ من زيادة أعداد الغرقى.

أحمد الأحمد