على كرسيه الكهربائي الذي يلازمه منذ ما يقارب عقدين من الزمن، يحمل محمد أبو محي الدين (بطل الجمهورية السابق في رياضة الكاراتيه) على عاتقه مسؤولية انتمائه للثورة، يؤدي ما “يستطيع فعله” على حدّ قوله، ويصنع بنفسه ما يحفز الشباب على مواصلة الطريق لتحقيق الحرية.

في دارة عزة بريف حلب الغربي (مسقط رأس أبو محي الدين) يتجمع حوله ما يزيد عن ثمانين طالباً وطالبة في روضة براعم الإيمان التي أطلقها بالتعاون مع بعض أصدقائه، وبدعم من أحد المغتربين وصاحب أحد المعامل على حدّ قوله، يستقطب الأطفال الأيتام وأبناء الشهداء والمعتقلين الذين ضحى آباءهم بأرواحهم في سبيل استمرار الثورة، يقول “إن هؤلاء الأطفال لا يستطيعون تحمل أكلاف التسجيل في رياض الأطفال الخاصة، ولذلك يتم تسجيلهم بالمجان وتأمين القرطاسية والنقل لهم ليتمكنوا من الحضور والتعلم”، كما تشكل الروضة فرصة عمل لبعض النساء اللواتي فقدن أزواجهن للاعتماد على أنفسهن في مواجهة الحياة القاسية.

ليست روضة الأطفال العمل الوحيد الذي يسجل لأبي محي الدين، فمنذ عودته من “الحجر الأسود” في دمشق حيث قضى طفولته وشبابه، وفي العام 2013عمل مع منظمة شباب الفرقان كإعلامي ليصبح فيما بعد مديراً لمكتب ذوي الاحتياجات الخاصة، إضافة إلى عمله كعضو بمكتب الأيتام في البلدة، يقول إن عمله مع ذوي الاحتياجات الخاصة ساهم في تحفيزهم على الاستمرار والتعلم والنجاح، خاصة وأنه يعاني من شلل رباعي لم يقعده طريح الفراش في المنزل وإنما زرع في داخله القدرة على التحدي والعمل.

استشهاد أخيه في العام 2016، وقبل ذلك اعتقال والده المسن (60 عاماً) في الحجر الأسود شباط عام 2013، شكّلا نقطة حاسمة في حياة الرجل، يقول إنه بات مسؤولاً عن عائلة كبيرة بعد أن ترك له أخيه الشهيد خمسة أطفال لإعالتهم، وكان عليه أن يكمل ما بدأ به، وأن لا يركن للشعور باليأس والإحباط.

ظلم النظام لأبي محي الدين لم يبدأ مع انطلاق الثورة السورية واعتقال والده بتهمة إدخال (بعض الخبز) إلى حي الحجر الأسود، وغياب أي أخبار عنه منذ ذلك الوقت، وإنما سبقه شعور بالقهر وانعدام العدالة حين رفض النادي الذي يتبع للحكومة تنفيذ الحكم القضائي الذي صدر لصالحه بدفع مليون ليرة سورية ونفقات العلاج الفيزيائي وكرسي كهربائي للاعب بعد إصابته خلال التدريب عام 2001، ما أدى إلى كسر في الفقرة الرابعة أدت إلى شلل رباعي سيرافقه مدى الحياة.

يقول إنهم لاحقوا ناديه والذي حصل له على (بطولة الجمهورية في العام 2000) لمدة خمسة سنوات، دون جدوى، فـ “الحكومة ما بتعطي على الحكومة”، بحسب قوله، وإن كلّ ما فعلوه كان تركه لمواجهة قدره وحيداً بعد إسعافه إلى مشفى المجتهد وإجراء جراحة له بعد ثلاثة أيام وتكليفه بثمن صور الرنين المغناطيسي اللازمة للعملية، لعدم وجود جهاز تصوير في المشفى، ويخرج بعدها “غير قادر على تحريك أصابعه التي كانت تتحرك قبل العملية”، ليخضع للمعالجة الفيزيائية لما يزيد عن السنتين استطاع بعدها تحريك بعض أصابعه.

حين بدأت الثورة السورية كان أبو محي الدين قد قارب على جمع المبلغ اللازم لإجراء عملية في الصين (زرع خلايا جزعية) من خلال عمله في صالة للكمبيوتر، يقول إنّ شعوراً بالقهر والفرح ملأه في آن معاً، كان عليه المشاركة في المظاهرات الأولى بعد أن قتل عدد من رفاقه في الحي بلا ذنب سوى أنهم أرادوا الحرية.

لم يمنع والد محمد (المعتقل حالياً) ابنه من المشاركة رغم وضعه الصحي، “كان يخاف عليّ أن لا أستطيع الهرب خلال مهاجمة الأمن والشبيحة للمظاهرات”، هذا ما قاله لي قبل أن “يسلمني إلى الله”.

“دخولي إلى المظاهرات شكّل فارقاً أمام الناس وحفز العديد منهم على المشاركة” يقول أبو محي الدين، فعندما يرى الناس “رجلاً على كرسي كهربائي مصاب بالشلل في المظاهرة كانوا يعلمون عدالة قضية الثورة ومطالبها المحقة، وكان ذلك دافعاً لهم للاستمرار”.

حكايات رواها أبو محي الدين عن كرسيه الكهربائي الذي حمل داخله وعبر الحواجز مواداً للشباب المحاصر وطلقات للجيش الحرّ في الحجر الأسود، كما أنقذ عدداً من الشباب خلال المظاهرات، يحكي لنا قصة أبو حوران من درعا والذي لم يكن يملك هوية عند محاصرة الشبيحة لواحدة من المظاهرات يقول “إنه طلب إليه أن يدفع كرسيه الكهربائي، ليتكلم هو مع الحاجز الذي سمح لهم بالمرور، فليس من المعقول أن يشارك رجل على كرسي كهربائي بمظاهرة”.

بات أبو محي الدين أحد أعضاء تنسيقية صفحة الحجر الأسود برفقة عمار أبو زيد ورامي السيد، ينقل توثيقات وانتهاكات الأمن، ويدعو للحرية وتنظيم المظاهرات حتى اعتقال والده في شباط 2013، وانتقال عائلته إلى دارة عزة ليتبعهم إلى هناك ويتمكن من النجاة بـ “أعجوبة”، على حدّ قوله، لإكمال عمله في منطقة أخرى.

هذه “ثورة شعب ضد الظلم” ينهي أبو محي الدين كلامه، فيما يجتمع عشرات الأطفال حوله ليكمل بهم ومعهم الطريق تحو الحرية، ولو على “كرسي كهربائي”.