ليست رؤية ما يطلق عليها “البلوكوسات” غريبة عن عين سكان أهالي الشمال السوري، إلّا أن ازدياد عددها بات لافتاً للنظر، خاصة مع استخدامها كحلول بديلة لأزمة السكن، وكذلك اعتمادها كمساكن مؤقتة للهرب من القصف الذي يطال معظم التجمعات السكنية في المنطقة.

و”البلوكوس” أبنية نصف اسطوانية تشبه الخيام، كانت تبنى سابقاً في المزارع وتستخدم كغرف للنواطير والمعدات الزراعية، يقول غسان أبو عبدو (من قرية معرة حرمة وأحد الذين اشتهروا ببنائها في السنوات الأخيرة)، وهي تشبه الغرف المألوفة بطول يتراوح بين (1.25-1.5) متراً كأساس، ثمّ يبدأ البناؤون بلف القبة، ويكون ذلك بإنقاص خمسة سنتيمترات من كل جهة وبشكل تدريجي حتى تكتمل بالشكل النهائي.

ويقول غسان إنه يستخدم للف القبة قالباً يختلف عن ذلك المعتمد في القوالب البيتونية العادية، ويبلغ ارتفاعه ثلاثة أمتار، وبذلك يتراوح ارتفاع الغرفة في البلوكوس بين (3.25-3.5) أمتار، بحسب طول الجدران الأساسية قبل البدء بتدوير القبة.

يلجأ بعض سكان المنطقة إلى أبنية البلوكوس هرباً من التجمعات السكنية التي يستهدفها طيران الأسد، وهو ما دفع أبو حسين من ريف إدلب الجنوبي إلى بناء غرفتي بلوكوس في أرض له على أطراف القرية، كما يجد فيها بعض السكان حلّاً أقل كلفة لمشكلة السكن من الإيجارات وأكثر ملاءمة من الخيام، إذ تبلغ كلفة الغرفة الواحدة من البلوكوس بمساحة ستة عشر متراً مربعاً ما يقارب مئة وثلاثين ألف ليرة، دون إكساء، وهو ما ينقص عن بدل إيجار منزل في مدن الشريط الحدودي مع تركيا، ويعادل إيجار منزل في إدلب المدينة لأربعة أشهر تقريباً.

ويعود السبب في قلة تكاليفها إلى خلوّ سقفها من الحديد والإسمنت المدعم والأعمدة البيتونية “العضايد” المعتمدة في بناء البيوت العادية، يقول غسان إن بناء البلوكوس يوفر ما يزيد عن 60% عن البناء العادي، ناهيك عن توفير الوقت للانتهاء من العمل، كما يشكل الاعتماد على الإسمنت والرمل الناعم، لتطيين البلوكوس من الخارج، ودهنه بالإسمنت والماء والغراء حلّاً لمشكلة الرطوبة وتسرب المياه إلى داخل البلوكوس.

ويفضل الأهالي، خاصة من اضطرتهم الظروف إلى النزوح من بلداتهم أو من دمّرت منازلهم، “البلوكوسات” عن الخيام، وذلك لأنها توفر لهم حماية تقيهم حرّ الصيف وبرد الشتاء، واحتوائها على شبابيك وفتحات تهوية وبأكلاف تعادل سعر الخيمة.

من جهتها تقول المهندسة المدنية أديبة العلي (خريجة جامعة حلب من بلدة كفرسجنة) إنها لا تفضل هذا النوع من الأبنية، إلّا أنها تُعتبر حلّاً موقتاً لظروف الحرب والفقر التي يعيشها السكان، لتجمل سلبيات هذا البناء بعدم القدرة على التوسع الشاقولي فيها، وذلك لكروية سقفها، إضافة إلى استخدام “القرميد” في بنائها بمقاس واحد، وهو ما يضعف متانتها مقابل البناء الحجري المدعم بالأعمدة الإسمنتية، وتفضل استخدام الاسمنت في “الزريقة” بسماكة ثلاثة سنتيمترات من الداخل والخارج.

معدات البناء البسيطة “المتر، الزيبقة، البلبل، الكريكات، التنكات والمسطرين” إضافة إلى القالب الخاص وعاملين للمساعدة في حمل البلوك وعجن الطينة، هي كل ما يحتاجه بناء البلوكوس، يقول غسان الذي يتنقل من قرية إلى أخرى مع معداته لبنائها بحسب الطلب، إلّا أن الحملات العسكرية والخوف من تقدم قوات الأسد إلى بعض القرى يعيق عمله الذي شهد ازدهاراً خلال السنوات الأخيرة، بينما يألف أبو حسين وعائلته بيته الجديد، يقول إنه سيبقى في البلوكوس حتى وإن استقرت الأحوال، ولا يفكر بالعودة إلى منزله القديم وسط القرية.