يخترق حاجز الصمت في سماء مدينة كفرنبل، أصوات انفجارات متتالية لقنابل صغيرة تتناثر في الأزقة والطرقات وعلى أسطح المنازل، الجميع حتى الأطفال باتوا يعرفون تسميتها، الكلمة الأولى التي تخرج دون تفكير “نفّذ عنقودي”، لتبدأ بعدها رحلة البحث عن مصابين، فيما يقعدك التفكير والترقب لسماع أسماء الشهداء والجرحى الجدد في كل يوم.

“ركعت على ركبتي حين أصبح صوت الانفجار العنقودي قريب مني” يقول أحمد البيوش (أحد سكان المدينة) وهو يصف لنا اللحظات القليلة الفاصلة بين صوت انشطار الحاضنة العنقودية في السماء ووصولها إلى هدفها، لتبدأ سلسلة من الانفجارات لا تنتهي.

كل ما خطر في بال محمد الحلاق بعد سماعه لكلمة “عنقودي” هو الموت، يقول إنه سأل نفسه إن كان ما يزال على قيد الحياة وهو يتلمس جسده، ثم تبادرت إلى ذهنه أفكار عن الموت وصور لذويه وهم يحضرون موته بالكثير من البكاء والحزن، ينفض عن رأسه تلك الذاكرة، ويصفها بـ “الصعبة”، قبل أن يكمل إن اللحظات القليلة التي عاشها مرّت ببطء وكأنها ساعات كثيرة.

“لحظة الانشطار تتحول أنت إلى هدف، وينحصر تفكيرك إن كان الدور عليك في الموت هذه المرة” يقول حسن العبود الذي تعرض حيّه لعدة غارات، ثلاث منها كانت بالقرب منه، شعل سيجارة وهو يروي إنه وفي كل مرّة كان يلجأ للتدخين لإبعاد شعور الموت عن نفسه، يكمل “ما زلت في عداد الأحياء، وفي كل مرة أولد من جديد”.

تباينت المواقف باختلاف الأشخاص وشعورهم بعد كل قصف عنقودي على المنطقة، علا الخطيب والتي أصيبت بواحدة من الشظايا قالت إن الحقد كان ما يسيطر عليها، بينما تلجأ سحر للضحك، هو تعبير عن مقاومة العجز تخبرنا، ويلجأ محمد الشيخ إلى قراءة الشهادة، فليس هناك من حيلة لتجنب ما سيحدث، في الوقت الذي يسيطر على أحمد الزعتور سؤال واحد بعد إصابة صديقه بواحدة من القنابل العنقودية “يا ترى لو صرخت عليه للحاق بي هل كان سينجو”، يروي لنا كيف أنه اتجه إلى “براكية” من التوتياء للاحتماء من القنابل في حين اختار صديقه جهة الغرب ليصاب بالقنابل.

والقنابل العنقودية إحدى الأسلحة المحرمة دولياً والتي يمنع استخدامها في المناطق الآهلة بالسكان، والتي اعتمدت عليها قوات الأسد في معاركها ضد الفصائل المسلحة، واستخدمتها في معظم القرى والبلدات الثائرة لتستهدف سكانها من المدنيين.

وعن طبيعة هذه القنابل يقول العقيد مصطفى البكور (طيار منشق) إن “السلاح العنقودي أحد أخطر أنواع الأسلحة التقليدية التي تستخدم في الحروب، وتصنف على أنها من أسلحة القتل العشوائي المحرمة دولياً، وسميت بالعنقودي لأن القنابل الصغيرة داخل الحاضنة يتم تنضيدها بشكل عناقيد”.

وتستخدم القنابل العنقودية بحسب رأي البكور بطرق عدة، كصواريخ الأرض أرض أو الراجمات، أو عبر حواضن تلقيها الطائرات الحربية، حيث يطال خطر تلك القنابل كل من يتواجد في المناطق المكشوفة ويعتبر تأثيرها على الأبنية والمتواجدين داخلها محدوداً، وتختلف المساحة المستهدفة باختلاف حجم الحاضنة وعدد القنابل الموجودة فيها، لكنها، وفي كل الأحوال، ليست بالمساحة القليلة إذا أُخذ بالاعتبار وجود المدنيين في هذه المناطق.

يفصل بين زمن انشطار الحاضنة في الجو ووقت وصول تلك القنابل الى الأرض زمن قد يطول أو يقصر بحسب ارتفاع مكان الانشطار، وقدره البعض بأربع ثوان، ما يمنح الأشخاص المتواجدين ضمن المنطقة المستهدفة زمناً قصيراً، للالتجاء إلى أقرب ساتر يقيهم خطر شظايا تلك القنابل الصغيرة المتناثرة.

بيّن ذلك أبو محمد برغش العامل في منظومة الدفاع المدني، والخبير في مخلفات الحروب التقليدية، بالقول: “على المواطن المتواجد في المكان المستهدف بالعنقودي اللجوء لأقرب ساتر كبناء أو جدار لحظة سماعه صوت انشطار الحاضنة، فهذه الثواني القليلة، قد تعني له الفيصل بين الحياة أو الموت”.

ويتابع أبو محمد شرحه عن خطر تلك القنابل فيقول: “يتعدى خطرها لحظة الانفجار، فبعض تلك القنابل قد يحتفظ بقدرته على الانفجار لسنوات ما لم يتم تفكيكها على يد خبراء المتفجرات، ويساعدها على الديمومة نوع المواد المستخدمة في صناعتها والمقاوِمة لعوامل الجو، لكن منها ما ينفجر بعد ثانيتين بفعل صمام زمني، كتلك التي تطلقها صواريخ (سميرتش) روسية الصنع والمعروفة باسم (9N235).

محمد الزعتور، عنصر في الدفاع المدني يوضح أن ضرر القنابل العنقودية لا يمكن حصره في مكان محدد، فهي تنتشر بشكل عشوائي وبأعداد كبيرة قد تصل للمئات منها أحياناً، وتختلف الإصابات الناجمة عنها بين حالة وأخرى، فطبيعة القنابل العنقودية مخصصة لاستهداف الأشخاص وليس تدمير المباني والبنى التحتية، يقول الزعتور و”هنا يكمن خطرها”.

آلاف الغارات بالقنابل العنقودية طالت السوريين في مختلف المناطق منذ بداية الثورة من قبل قوات الأسد، والتي ضربت عرض الحائط بجميع الاتفاقيات الدولية التي تحظر استخدام الأسلحة والذخائر العنقودية ضمن الاتفاقية التي عقدت في مدينة دبلن الألمانية في العام 2008، ووقع عليها مئة وسبع دول عالمية، يقفون صامتين حيال جرائم استخدامها في سوريا، لتبقى الثواني الأربع الفاصلة بين زمن الانفجار والسقوط الفسحة التي يعيشها السوريون أملاً بالنجاة واستمرارية الحياة.

محمود السويد