اعتمدت فصائل المعارضة السورية شكلاً جديداً من التكتيك العسكري بنقل المعركة الدائرة في ريف حماه وإدلب من الدفاع إلى الهجوم، واستطاعت خلال الأيام الأخيرة وبعد بدء المرحلة الثانية من المعارك والتي أُطلق عليها “الفتح المبين” في السابع من أيار الحالي السيطرة على عدة قرى (الجبين وتل ملح وكفرهود) بريف حماه الشمالي، والانطلاق منها إلى محاولة السيطرة على قرى جديدة ذات أهمية استراتيجية كانت قوات الأسد قد سيطرت عليها وأهمها (كرناز –الجلمة –الشيخ حديد) شمال غرب حماه والتي ما زالت الاشتباكات تدور في محيطها حتى اللحظة.

وقال الرائد زهير الشيخ قائد أركان جيش النصر المشارك في المعركة إن “عمليات نوعية تعتمد على نظام الإغارة السريعة والالتفاف على المواقع العسكرية لقوات الأسد هو الشكل الذي انتهجته الفصائل في المرحلة الجديدة من المعارك، وذلك عبر استخدام فك الكماشة لتجنب القتال المباشر وإسقاط أكبر مساحة سيطرة له عسكرياً”.

كيف بدأت المعارك

منذ منتصف شباط الماضي عمدت قوات الأسد وروسيا إلى استهداف مناطق ريف حماه بالمدافع الميدانية وراجمات الصواريخ، طال كلّاً من قرى وبلدات (كفرنبودة –قلعة المضيق –الحويز –الشريعة –الكركات –المستريحة –مزارع قيراطة)، ليتوسع التمهيد العسكري على هذه المناطق نهاية شهر نيسان الماضي، إذ شهدت عودة مكثفة لاستخدام الطيران الحربي والمروحي بمئات الغارات الجوية.

وكان قسم التوثيق في مكتب حماه الإعلامي قد أحصى عدد الغارات الجوية التي استهدفت مدن وبلدات ريف حماه في شهر أيار الماضي بما مجموعه 264 غارة جوية على ريف حماة المحرر، منها 101 غارات جوية روسية و27 غارة من طائرات حربية تابعة للنظام و136غارة بالبراميل والأسطوانات المتفجرة من طائرات النظام المروحية، كما وثق 836 غارة جوية، 466 منها لطائرات النظام الحربية و212 غارة جوية بالبراميل والأسطوانات المتفجرة و 158 غارة جوية روسية انطلقت من قاعدة حميميم العسكرية، خلال الأيام الثلاثة الأولى من شهر حزيران الحالي، تسببت بمقتل 332 مدنياً وجرح أكثر من 406 شخصاً بينهم نساء وأطفال.

واستطاعت قوات الأسد وروسيا في الثامن من نيسان الماضي بسط سيطرتها على بلدة كفرنبودة، والتي تعتبر نقطة وصل بين ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي لتتقدم بعدها وتسيطر على عدة قرى في سهل الغاب وجبل شحشبو كـ (قلعة المضيق، التوينة، المستريحة، الشريعة، باب الطاقة) شمال غرب حماة، وبتلك السيطرة كسرت الأخيرة خطوط الدفاع الأولى للجيب الجنوبي الغربي من الشمال السوري المحرر وجاءت السيطرة بعد تهجير كامل لأهالي تلك المناطق وتدمير مساحات واسعة منها خلال حملة القصف الأخيرة.

ويقع الجيب الذي بدأ النظام وحلفائه التمهيد العسكري عليه في ريف حماة الشمالي ضمن منطقة خفض التصعيد، وتحديداً في المنطقة العازلة التي أبرمت في اتفاق سوتشي، والذي تم التوصل إليه يوم 17 أيلول من العام الماضي.

ماذا تعني السيطرة على ريف حماه عسكرياً؟

تضم هذه المنطقة مجموعة من التلال الحاكمة لعدد من القرى والبلدات والتي تعتبر ساقطة نارياً في حال السيطرة عليها، كتل عثمان الاستراتيجي الذي يرصد مساحات واسعة في محيطه، وكانت قوات الأسد قد سيطرت عليه في السابع من أيار الماضي، تلاها السيطرة على قرى الجابرية  والتوبة والشيخ ادريس وآخرها بسط سيطرته على بلدة القصابية (جنوبي إدلب)، وهي الخاصرة الشمالية لحماية قوات الأسد في بلدة كفرنبودة وقرية تل هواش في ريف حماة الشمالي الغربي، وتطل القصابية على قرية الهبيط من الجهة الغربية أحد أهم خطوط إمداد فصائل المعارضة.

وتسعى قوات الأسد للسيطرة على قرية عابدين لقطع خطوط إمداد الفصائل باتجاه الهبيط، وقريتي ميدان غزال والصهرية في جبل شحشبو لتطويق حرش الكركات وإسقاطه عسكرياً، لتأمين مناطق سيطرته الحديثة في جبل شحشبو (كفرنبودة وتل هواش والمستريحة والكركات ومزارع قيراطة) وسهل الغاب الغربي (الحويز والشريعة والتوينة وباب الطاقة وقلعة المضيق والحمرا)، وتعد هاتين المنطقتين بداية الخط الدفاعي الثاني للمناطق المحررة، وامتداداً لسلسلة جبلية تصل قرية عابدين شرقاً بسلسلة جبلية أخرى ممتدة مع جبل شحشبو باتجاه الشمال.

الطبيعة الجبلية لهذه المناطق مكنت الفصائل المتمركزة فيها من استهداف قوات الأسد عبر الصواريخ الموجهة والقناصات والأسلحة المتنوعة واستنزافها وإجبارها على التراجع وتكبيدها خسائر فادحة في المعدات والعناصر، حيث بلغ عدد قتلى الأخيرة خلال تلك الحملة ٤٩٥ عنصراً موثقاً بالاسم بحسب مركز نورس للدراسات.

تزامنت حملة التصعيد الأخيرة مع استهداف قوات الأسد وروسيا للحدود الإدارية في مدينة إدلب، إذ طال القصف مدناً وبلدات كـ (خان شيخون، الهبيط، كفرعين، ترملا، أرينبة، معرة النعمان، حيش، كفرسجنة، الشيخ مصطفى، معرة حرمة، الهبيط، احسم، حزارين، كفرنبل)، وارتكاب عشرات المجازر بحق المدنيين كان آخرها في قرية جبالا بريف إدلب الجنوبي وراح ضحيتها 13 شهيداً، وعشرات الجرحى.

إضافة إلى تدمير البنى التحتية واستهداف قطاعات الصحة والتعليم والدفاع المدني، إذ وثقت مديرية صحة حماه خروج 24 مركزاً صحياً وخدمياً عن الخدمة بفعل الغارات الجوية، ستة مراكز طبية منها مدرجة ضمن آلية التحييد التي ابتكرها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA في أيلول 2014 للتخفيف من مخاطر استهداف المواقع الإنسانية الثابتة والمهام الإنسانية المتحركة عن طريق إعلام التحالف الدولي وروسيا وتركيا والمجموعة الدولية لدعم سوريا بمواقعها.

ريف حماه اقتصادياً وسكانياً

تكمن أهمية مناطق ريف حماة التي سيطر عليها النظام من الناحية الاقتصادية بوجود مساحات واسعة وكبيرة من الأراضي الصالحة للزراعة، خاصة في منطقة كفرنبودة، وقدّرت دائرة الزراعة بسهل الغاب هذه الأراضي بـ 130 ألف دونم من القمح و٢٠ ألف دونم للشعير وقرابة ٥٠٠٠ دونم بطاطا، إضافة لـ 5000 دونم من المزروعات الصيفية كالبندورة والخيار والباذنجان عدا عن آلاف الدونمات المزروعة بمحاصيل الكمون واليانسون والكزبرة …

وكانت وسائل التواصل الاجتماعي قد عرضت مقاطع فيديو تظهر قوات الأسد وهم يسرقون محاصيل البطاطا والقمح والشعير بعد سيطرتهم على المنطقة ونزوح سكانها إلى الشمال السوري والبالغ عددهم قرابة ١١٠ آلاف نسمة بحسب احصائيات المجالس المحلية، قسم منهم يشارك في المعارك الدائرة لاسترجاع هذه القرى.

وتعتبر هذه المناطق من أولى المناطق الثائرة ضد نظام الأسد، وقدمت خلال سنوات الثورة عدداً ليس بقليل من الشهداء المعروفين كالمقدم جميل رعدون قائد جيش النصر سابقاً، وخالد نصر الله وأخويه أحمد وسعيد، والملازم أول هشام الخليف وغيرهم الكثير، ولا يكاد يخلو منزل دون شهيد أو مصاب إما في المعارك أو بالقصف الذي يطال منازلهم بشكل متكرر.

معارك عنيفة ومُفاجئة لقوات الأسد

روّج نظام الأسد عبر صفحات إعلامه الرديف أهداف المعركة الحالية بالسيطرة على أوتوستراد حلب –دمشق الدولي والوصول إلى مدينة خان شيخون، إلا أنه وجد نفسه في مأزق حرج أمام مواليه لعدم تقدمه وفق الخطة الموضوعة.

وقال زهير الشيخ قائد أركان جيش النصر لفوكس حلب إن النظام لاقى مقاومة كبيرة من قبل الفصائل المعارضة لم تكن في حساباته، ما سبب صدمة كبيرة لعناصره، كما فوجئ بمحاولات الصد والمعارك التي جاءت بعد احتلاله لبعض القرى والبلدات واستعادتها من قبل الفصائل.

ولم تفسح الفصائل العسكرية المجال للنظام بالتقدم على قرى جديدة كـ (كورة والصهرية) شمال حماة ، وذلك لكثرة المعارك واتباع عمليات تشتيت العدو وفتح أكثر من محور للقتال واتباع نظام الإغارة السريعة لاستنزاف قواته وجعلها متخبطة وخائفة من انقضاض الثوار على مواقعها، بحسب الشيخ الذي أضاف إن قوات الأسد تعتمد على سياسة الأرض المحروقة والقصف المكثف لمحاولة سيطرتها وتثبيت مواقعها، كما استقدمت تعزيزات ضخمة في بداية الحملة، إذ تم رصد ٤٠ مدفع ١٣٠ ميداني و١٥ راجمة صواريخ وعدد كبير من مدافع الفوزليكا في مناطق الشيخ حديد وحيالين وبريديج والجرنية (شمال شرق مدينة السقيلبية 40 كم شمال حماة)، كما تم انشاء معسكر بين الجلمة والشيخ حديد ومرابض للمدافع غرب بلدة بريديج ومحيط قرية الجرنية ومرابض أخرى روسية في كازية دنيا بين قرية حيالين ومدينة السقيلبية.

ورصد ناشطون يوم أمس استقدام النظام لثلاثة أرتال مشاة مشكلة من الفرقة الأولى والفرقة الثالثة والفرقة العاشرة جمعت معظم عناصرها من حواجز مدينة درعا، وتحوي ما يقارب ألف عنصر وجهتهم ريف حماة الشمالي، وأغلبهم عناصر من المصالحات الذي عادوا الى صفوف النظام بعد التسوية ويتم زجهم في الصفوف الأولى للقتال ضد الثوار.