تقلّب أم يامن شريط الصور على الهاتف المحمول، انتهى العيد ولم يبق لها من ذاكرة يامن ورائحته سوى ذلك الفرح المرتسم على وجهه صباح عيد الفطر، ارتدى ثيابه الجديدة ودسّ عيديته في جيبه ليخرج برفقة أشقائه للعب، لكنه لم يعد.

يامن الاسماعيل طفل في الرابعة من عمره من بلدة كفرعويد بريف إدلب الجنوبي كان ضحية غارة جوية أفرغ الطيار حمولتها في البلدة ليعود أدراجه ويحتفل مع أطفاله بعيدهم، إلّا أنه حوّل حياة عائلة أم يامن إلى كابوس ثقيل، بعد أن فقدت طفلها وشقيقته ذات التسعة أعوام، وإصابة شقيقتيه واثنان من أولاد عمومته.

ليس يامن الطفل الوحيد الشهيد منذ بداية الحملة العسكرية الأخيرة التي تشنها قوات الأسد وحلفاؤها على المنطقة، إذ وثق منسقو الاستجابة شمال سوريا استشهاد مئة واثنين وستين طفلاً خلال الفترة الممتدة بين السادس والعشرين من نيسان الماضي وحتى أول أيام العيد، ويرجح منسقو الاستجابة تجاوز العدد لمئة وثمانين طفلاً حالياً.

العيدية كانت وافرة والمستهدف دائماً مدنيون معظمهم من النساء والأطفال، مجازر كثيرة ارتكبت في أعياد السوريين منذ بداية الثورة، والأرقام تتضاعف عيداً بعد آخر وبكافة أنواع الأسلحة. يقول الناشط المدني محمد أبو صبحي (مرشد اجتماعي) إن مظاهر من الخوف والقلق تنتاب معظم العائلات السورية في كل مناسبة، خوفاً من تحوّل الفرح إلى كابوس، وهو ما يحصل في كل عام. بينما ترى أم موسى أن الأمهات باتت تخشى الفرح وتحرص على أطفالها وتمنعهم من الخروج للعب، تقول “أريد ضمهم إلى صدري في كل وقت، أموت معهم إن كان ولا بدّ من الموت، فأنا لا أقوى على الحياة بعدهم”.

الخوف من مصير مشابه ليامن دفع معظم العائلات في ريف إدلب الجنوبي لإكمال حلقة النزوح، واللجوء إلى مناطق أكثر أمناً في الشمال السوري، خاصة القرى والبلدات المحازية للشريط الحدودي أو إلى عفرين، بعضهم حظي ببيت للإيجار أو خيمة، أما معظمهم فقد أمضى عيده في العراء تحت أشجار الزيتون.

لم تجف دمعة أم أحمد (من بلدة معرة حرمة بريف إدلب) طيلة أيام العيد، تقول إنها كانت تريد زيارة قبر طفلها لتعايده، حوّلت السيدة المدرسة التي تقطنها منذ نزوحها عن البلدة إلى ما يشبه بيت العزاء، ولم تفلح جميع محاولات جاراتها بتهدئتها، لينصرف الجميع للبكاء بعد أن قُتلت جميع مظاهر فرح العيد التي غابت كافة طقوسه وعاداته.

تصحبنا راما ذات الأعوام التسعة إلى خيمتها، تقول إنها هنا منذ ثلاثة أعوام وتصفها بـ “بيتنا”، في الخيمة المرتبة بعناية تشاهد “مجمع العيد” والذي يحتوي على أربعة أصناف من الضيافة رخيصة الثمن، وبالقرب منه صحنان من البلور وضعت فيهما أم راما بعض كعك العيد والبتيفور وترمساً للقهوة المرّة الجاهزة، تقول السيدة إنها تحاول التغلب على الحزن بزرع بعض البسمة على وجوه أطفالها، وتريد أن يمرّ عيدها بسلام.

تتركنا راما وحيدين بعد أن ضاقت طفولتها بزيارتنا لتشارك أقرانها اللعب على الأرجوحة الوحيدة المنصوبة بالقرب من الخيام، تقول إنها أنفقت “عيديتها” هناك وهي تركض لوداعنا.

بين أشجار الزيتون أطفال يحملون “بعض الألعاب ومسدسات بلاستيكية” يقول من التقيناهم إن أحدهم قام بتوزيعها على الأطفال ورحل، لا تريد أم نضال البقاء هنا هي تقول إنها تريد “قضاء العيد فوق ركام منزلها”، ثم تنظر إلى أطفالها بعين الخوف الذي أجبرها على البقاء في هذا العراء.

في مناطق أخرى من الشمال السوري حضرت مظاهر العيد، فأسواق القرى والبلدات في ريف حلب الغربي وشمال إدلب كانت ممتلئة بالبضائع والحلويات والفاكهة، إضافة لمدن الملاهي وألعاب الأطفال التي شهدت إقبالاً كبيراً.

ضحكات الأطفال وضجيجهم ملأ المكان يقول أبو حسن (نازح من قرية حيش إلى الأتارب بريف حلب الغربي”، فالعيد للأطفال ولا يحق لنا حرمانهم من الفرح أيّاً كانت الظروف، يقول وهو يحمل طفله الرضيع فيما تنشغل زوجته بتجهيز أطفالها للخروج إلى مدينة الألعاب.

هناك في مدينة الألعاب بدا المشهد مغايراً، أطفال يطالبون عاملي “القلابة” الخمسة بتقويتها “قويهااا.. قويهاا”، يضحكون وهم يرددون بما يشبه الصراخ “ما مننزل ..ما مننزل”، آخرون ينتظرون دورهم في اللعب على الأراجيح و”الزحليقات”، وهم يرتدون ثياباً ملونة ويحملون في جيوبهم ما حصلوا عليه من حلويات، الأسعار مناسبة يقول من التقيناهم للحديث عن الألعاب، إذ لم تتجاوز مئتي ليرة لدخول الطفل واختيار ما يرغب به من ألعاب والوقت الذي يريده، يشير لنا أبو حسن بيده وهو يقول “لا عيد بلا ضحكات الأطفال..هذا حقهم”.