“يوم الله أسهل من هاليوم” جملة تلخص حال الناس في أرياف إدلب وحماه، منذ ما يزيد عن الشهر، لتنضم إليها منذ أيام أرياف حلب الجنوبية والغربية فيما يشبه “يوم القيامة”.

البراميل المتفجرة عادت بعد غياب دام ما يقارب السنة ونصف السنة، هي السلاح “الأعمى” الذي استخدمته قوات الأسد على كافة مناطق المعارضة السورية، وفي كافة المراحل، تحمل براءة اختراع في القتل والأرض المحروقة دون هدف محدّد، وكيفما اتفق، وغالباً ما تستهدف تجمعات منازل المدنيين وتحدث دماراً هائلاً فيها، وأعداداً كبيرة من القتلى.

لا يمكن تخمين مكان سقوطها، ولكنها تحدث ضجة تشابه دحرجة برميل فارغ، اتفق عدد من الأشخاص على وصفها بذلك، كما اتفقوا أيضاً على أنها الأكثر خطراً وضرراً لما تحتويه من كميات كبيرة من المتفجرات والشظايا، وانحرافها عن مكان إسقاطها بفعل تأثرها بالعوامل الجوية، والأهم من ذلك إنها تستخدم “لقتل مكان بالكامل، وتنهي ما حوله من حياة”.

خمسة براميل متفجرة على قرية عابدين بريف إدلب -إنترنيت
خمسة براميل متفجرة على قرية عابدين بريف إدلب -إنترنيت

لم يُعرف إلى الآن لمن ينسب ذلك الاختراع، إلّا أنه بات السلاح الأكثر استعمالاً وفتكاً منذ اختراعه في سوريا 2013، وبات صفة لصيقة لكل معركة أو مدينة يُراد إخضاعها، بكلفة قليلة ودمار هائل، ولعلّ استخدامه يعطي ذلك الانطباع بالصورة النمطية لما سيحدث في هذا المكان، “احترس أنت أمام عملية إبادة جديدة”، يقول معظم الأهالي حين تبدأ المروحيات بإسقاط البراميل المتفجرة التي خبروها جيداً.
بعض الذين هُجروا من حلب في نهاية عام 2016 ما يزالون يتذكرون جيداً حملة البراميل، واستخدامها الكثيف أيام الحصار الأخير، هم الآن يعيدون المشهد ثانية في الأماكن الجديدة التي نزحوا إليها، لا يستخدمون ذلك كـ دليل ولا دعوة لمصير مشابه لما حدث في مدينتهم، على العكس هم فقط أرادوا القول “إن النظام لا يلجأ إلى هذه الأسلحة إلّا عندما يكون عاجزاً عن التقدم، ويحتاج إلى مخرج  لحرجه أمام شارعه الموالي وحلفائه”.

ما يحدث في الشمال السوري “هائل”، وتعدّى أيضاً في جزء منه “العشوائية” التي حكمت منطق البراميل سابقاً، إلى نوع ممنهج “روسيّ بالطبع عبر طائراتها” لاستهداف البنى التحتية، بداية بالمشافي سواء تلك المتهمة بمعالجة “الإرهابيين”، أو الخاصة التي لا يدخلها سوى الأطفال والنساء، كان آخرها دار الحكمة في مدينة كفرنبل بريف إدلب صباح اليوم، سبقه استهداف ما يزيد عن 55 مشفى ومركزاً طبياً في المنطقة، معظمها خارج الخدمة الآن. وكذلك استهداف مراكز الدفاع المدني والمنشآت التعليمية (تم استهداف 68 منشأة تعليمية منذ شباط الماضي)، والأفران (تسعة أفران) والأسواق العامة، باختصار “يريدون للمنطقة أن تصاب بالشلل” يقول أهالي المنطقة الذين نزح معظمهم من القرى والبلدات المستهدفة إلى مناطق أكثر أمناً شمال إدلب أو عفرين، أو في ريف حلب الغربي الذي تعرض هو الآخر ظهر اليوم إلى غارات جوية بصواريخ فراغية أخرجت مشفى ومركز الدفاع المدني في الأتارب عن الخدمة، وأدت إلى استشهاد سيدة تضاف إلى 562 مدنياً قتلوا في الحملة العسكرية الأخيرة، ومئات الجرحى، ناهيك عن الدمار الذي طال ما يزيد عن 212 نقطة (قرية –بلدة –مدينة) في المنطقة، 73% منها تعرضت لقصف متكرر، بحسب منسقو الاستجابة.

طفلة ناجية من استهداف السوق في مدينة أريحا -إنترنيت
طفلة ناجية من استهداف السوق في مدينة أريحا -إنترنيت

مصطفى وعلي وأحمد سرحان ثلاثة أطفال من عائلة واحدة استشهدوا اليوم بقصف جوي على ناحية احسم بريف إدلب، مساء أمس قتلت الطائرات التي استهدفت مدينة أريحا جنوب إدلب ثلاثة أطفال آخرين، وسام وشام وزين فحام، وخلال الشهرين الماضيين وثق منسقو الاستجابة استشهاد مئة واثنان وستون طفلاً، (135 طفل في إدلب -24 في محافظة حماه -3 في حلب -2 في اللاذقية).

 

لا تفرق البراميل بين صغير وكبير، مدني أو عسكري، منزل أو خط جبهة أو مقر. على وسائل التواصل الاجتماعي يتناقل الناشطون والإعلاميون وأبناء القرى المستهدفة صوراً ومقاطع فيديو تظهر مشاهد من القصف، لا يبدو المشهد مألوفاً للسوريين بالرغم من الحرب الدائرة منذ ما يزيد عن ثماني سنوات في المنطقة، واستخدام كافة أنواع الأسلحة فيها، “خمس مروحيات تنفذ تلقي حممها على كفرسجنه في وقت واحد”، “تسع طائرات حربية تجوب المنطقة“، “عشرات الصواريخ وقنابل المدفعية والبراميل في كفرنبوده”، “هذه المرة القصف لا يشبه سوى يوم القيامة”، أو “مقطع من فيلم هوليودي يحكي عن نهاية العالم“، أو حلقة من مسلسل “صراع العروش”، تلك عينة من التعليقات على المشاهد والصور المؤلمة والتي لم تحرك ضمير أحد من العالم لإيقاف هذا الجحيم.