الصفحة الرئيسية تغطية ميدانية “رمضان السوريين” طقوس غائبة ممزوجة بالحنين

“رمضان السوريين” طقوس غائبة ممزوجة بالحنين

“تسعة رمضانات مرّت علينا في ظل الثورة، كل منها اختلف بظروفه وطقوسه عن سابقه” هكذا يصف أكرم العودة (من وافدي الغوطة الشرقية) حال السوريين بعد مرور عشرين يوماً على دخول الشهر الفضيل، والذي غابت فيه طقوس كثيرة لتحل مكانها طقوس أخرى.

لم يعد باستطاعة السوريين الحفاظ على تنوع المأكولات التي اعتادوا وجودها على موائدهم في هذا الشهر، كذلك الحال بالنسبة للمشروبات الرمضانية وأطباق الحلويات، وندرة العزائم وجمعات الأصدقاء، كما غاب مدفع رمضان والمسحراتي اللذان يعتبران أحد أهم الطقوس المميزة لهذا الشهر.

استقبل أهالي المناطق المحررة شهر رمضان كضيف ثقيل، في ظل سوء الأوضاع الاقتصادية التي يعيشونها، إضافة لما تشهده هذه المناطق من حملة عسكرية رافقت الشهر منذ بدايته وتسببت بحركة نزوح كبيرة، “غابت أي طقوس توحي بأننا في شهر رمضان، وامتزجت وجبات الإفطار بالغصة والألم والحنين بعد أن اضطر عدد كبير من الأهالي للنزوح بعيداً عن منازلهم، قسم ليس بقليل منهم يقضي أيام رمضان في العراء تحت أشجار الزيتون، أو في الخيام”، يقول محمد العلي (ناشط إعلامي من إدلب) والذي أضاف “إن قوات النظام ارتكبت مجزرتين في سوقي معرة النعمان وجسر الشغور خلال رمضان الحالي”، وهو ما أدى إلى ما يشبه الشلل وضعف الحركة في الأسواق في ريف إدلب الجنوبي بالعموم، يضاف إلى ذلك ارتفاع أسعار مختلف السلع واكتفاء الأهالي بشراء الأساسيات إن أمكنهم ذلك.

تختلف حركة الأسواق والأجواء الرمضانية في المناطق الجنوبية عنها في الشمال وخاصة في المناطق الحدودية (الآمنة نسبياً) ومدينة إدلب، إذ تشهد الأسواق حركة وصفها العلي بـ “المقبولة”، إلّا أن أسعد سرميني (صاحب أحد محلات الألبسة في مدينة إدلب) لخص الحال بعبارة “ازدحام في الأسواق وندرة في الشراء”، وأكمل “إن الأيام الأخيرة من رمضان دائماً ما كانت تشهد توافد الناس إلى الأسواق وشراء ألبسة العيد، الازدحام الموجود سببه كثرة الوافدين والنازحين الجدد، لكن حركة البيع ضئيلة في ظل عدم القدرة على شراء الألبسة الجديدة، والاعتماد على محلات البالة”.

بعيداً عن الأسواق تغيب ظاهرة المسحراتي عن معظم القرى والبلدات تقول أم أنس كردي (من سكان بلدة عندان) إنها “لم تعد تسمع صوته وهو يوقظ الناس للسحور، بما يحفظه من مدائح وأشعار وأقوال”، يرجع الناس غياب ظاهرة المسحر لأسباب كثيرة أهمها أن هذا العمل أصبح عملاً تطوعياً (كان المسحر سابقاً يتقاضى راتباً من البلدية)، إضافة للخوف من التنقل ليلاً في ظل الظروف الأمنية السيئة.

كما تفتقد أم أنس أيام “السكبة والعزائم”، والتي تعمل على تعزيز الروابط الاجتماعية وخلق جو من الألفة، فهي “دليل كرم ومحبة اعتدنا سابقاً على تبادل الأطباق فيما بيننا، وعند الإفطار تجد عدداً من الأطعمة على مائدتك، ومن كل شكل ولون” تقول أم أنس التي رأت أن الواقع الحالي فرض غياب هذه العادات “بشق الأنفس يستطيع الناس تأمين وجبة إفطارهم، وعلى كل مائدة مآس من الغياب والتهجير والدمار”.

رمضان السوريين في تسع سنوات

لم يكن رمضان هذا العام الوحيد الذي شهد ظروفاً وطقوساً مختلفة، بل كان الحال منطبقاً على رمضان خلال السنوات الماضية، يقول أكرم عودة من مهجري دوما “في السنوات التسع الماضية لم يكن أي شهرٍ من رمضان مشابه لما قبله، ففي كل عام تغيب طقوسٌ وتتبدّل ظروف، ففي رمضان الأول والثاني عامي 2011 و2012 في ظل الثورة، كانت طقوس الشهر الكريم ما زالت حاضرةً كما كان سابقاً، لكن ما تغيّر هو أننا كنا بعد صلاة التراويح نجتمع أمام المساجد لنخرج مظاهراتٍ ضد النظام السوري، بدل الذهاب لزيارة الأقارب”.

في عام 2013 تبدّل الوضع كلياً، حيث فرض النظام حصاراً خانقاً على الغوطة، ووصف أكرم الحال حينها قائلاً: “لم تعد تمتلئ الموائد بعدة أكلات متنوعة وفاخرة وباتت تقتصر على طبقٍ أو اثنين، وفي كل عام كانت تتقلص الأطباق وتزداد بساطةً، حتى أصبح طعامنا في رمضان الأخير في ظل الحصار (2017) مقتصراً على الكوسا، الذي دخل أغلب مكونات موائد أسر الغوطة الشرقية، وأبرزها (المحاشي، كوسا باللبن، مكمور، كوسا بالبرغل، مفركة)، إضافة إلى الفول الأخضر”.

حال السوريين في أغلب المناطق المحررة خلال رمضان في السنوات الماضية، كان مشابهاً تقريباً لحال سكان الغوطة الشرقية، لكن المختلف لدى الغوطة أن كثافة القصف حينها لم يترك مجالاً للسكان حتى للتسوق وشراء الحاجيات أو الذهاب لصلاة التراويح فكان أغلب وقتهم في الملاجئ.

في العام الماضي هجّر النظام الكثير من السوريين في مناطق متفرقة، ولا سيما من الغوطة الشرقية وبلدات ريف دمشق، إضافة إلى ريفي حمص الشمالي وحماه الجنوبي ودرعا، ليستقروا في الشمال السوري، لتبدأ معاناةٌ جديدةٌ في رمضان، تضاف إلى معاناتهم قبل التهجير، يقول عماد أيوب من مهجري الرستن بريف حمص “تزامن تهجير سكان ريف حمص الشمالي العام الماضي مع شهر رمضان، ما جعل معاناتنا مضاعفةً، فحين وصولنا إلى ريف حلب، تم نقلنا إلى خيمٍ عشوائية، وكان وضعنا المادي سيئاً للغاية، وكنا نعتمد في الإفطار على المساعدات الغذائية المقدمة من المنظمات، وكان حال المهجرين يُرثى له، حيث يتدافعون قبل وقت الافطار للحصول على وحبات الطعام، التي كانت في بعض الأحيان غير صحية، لكن لم يكن لدينا خيار آخر غيرها”.

وكأن نظام الأسد يعتمد التوقيت ذاته، ففي العام الحالي تم تهجير أكثر من نصف مليون شخص ترافق نزوحهم مع شهر رمضان، في ظل خيارات قليلة وضعف الاستجابة من قبل المؤسسات الحكومية والمنظمات الإنسانية وعجزها عن استيعاب هذه الأعداد الكبيرة.

أكلة شعبية تكلّف نصف الراتب

تبدّل الواقع في رمضان لم يكن حكراً على المناطق المحررة، بل حتى على مناطق النظام، والتي دخلت هذا الشهر الفضيل وسط موجةٍ من الأزمات وعلى رأسها البنزين والغاز، فضلاً عن الارتفاع الكبير في الأسعار مقارنةً بالعام الماضي، ما حرم الكثير من السكان بهجة رمضان.

قبيل رمضان بيومين تناقلت وسائل إعلام النظام وعداً من تجار دمشق بأنهم لن يرفعوا الأسعار مهما كانت الظروف، حتى لو أدى الأمر لخسارتهم، وأشادت تلك الوسائل بهذا الموقف النبيل من قبل التجار وكيف أنه يتناسب وبركات شهر رمضان المبارك، التي بدأت قبل أن يبدأ الشهر الكريم.

إلا أنه مع دخول شهر رمضان تفاجأ الأهالي أن الأسعار ارتفعت بأكثر من 15 بالمئة، وعلى جميع السلع الغذائية، واعترفت وزارة التموين في حكومة النظام بهذا الارتفاع، وأكدت أنه لا يمكن تثبيت الأسعار إلا في حالتين، إما باعتماد سعر صرف ثابت ومحدد للدولار لتمويل المستوردات، أو عبر رقابة تموينية واسعة ومشددة لا تسمح للتجار برفع الأسعار.

ومع هذا الارتفاع في أسعار مختلف المواد الأساسية، حُرم السكان الكثير من الأكلات الشعبية التي اعتادوا على تحضيرها في رمضان، وعلى رأسها الكبب والكبسة والملوخية والمقلوبة، لتشرح أم أيمن من سكان دويلعة الحال قائلةً “بات تحضير أي طبخة بسيطة المكونات يتطلب مبلغاً ليس بالقليل، فما بالك بتحضير طبخة شعبية فاخرة كالكبة مثلاً، فهذه تكسر الموظف كونها تكلّف نصف راتبه، ما يعني أن علينا أن نقضي رمضان على أكلات الزيت واتباع سياسة التقشف في الكميات المطهوة.

وبحسبة بسيطة تجد أم أيمن أن تحضير أكلة كبة، يحتاج إلى 2كيلو لحمة بـ 14 ألف ليرة سورية، كيلو برغل بــ 300 ليرة، كيلو بصل بـ 200 ليرة، وقية جوز بـ ألف ليرة، كيلو لبن بـ 400 ليرة، ليتر زيت بـ 600 ليرة، ليكون المجموع 16500 ليرة، أي ما يعادل نصف راتب موظف حديث التعيين يبلغ راتبه 30 ألف ليرة سورية، بينما تعادل ثلث راتب موظف قديم يتقاضى 45 ألف ليرة شهرياً.

لكن أم أيمن أشارت إلى أن هناك حلاً لمن يعشقون الكبة ولا يملكون ذلك المبلغ لتحضيرها قائلةً: “يمكن استبدال اللحم الغنم بكباب الدجاج مع القليل من الدهن، حيث يبلغ سعر الكيلو 1500 ليرة نستعمله للحشوة مع البصل، وبدلاً من شراء كيلو لحم آخر (هبرة) لوضعه مع البرغل كي يتماسك، يمكن الاستعاضة عنه بالسميد، كما يمكن الاستغناء عن المكسرات، وبهذه الطريقة يمكن تناول أكلة الكبة على الفطور بكلفة لا تتجاوز 2500 ليرة فقط مع حساب سعر البصل والسميد والبرغل واللبن.

كما اعتاد السوريين على شراء الحلويات في رمضان، لكنها شهدت كذلك ارتفاعاً في الأسعار، حيث يبلغ سعر كيلو الكنافة المبرومة 10 آلاف ليرة سورية، المدلوقة والنابلسية 2500 ليرة، وربات تركية محشوة بالجوز 5000 ليرة، شعيبيات القشطة أو الجوز سعر القطعة 250 ليرة، هريسة بالفستق الكيلو بـ 2500 ليرة، قطايف عصافيري الكيلو بـ 1800 ليرة، نمورة بالقشطة الكيلو بـ 2000 ليرة.

وقالت أم أيمن “لم يعد بإمكاننا شراء الحلويات بأنواع مختلفة كما اعتدنا سابقاً، لذلك لجأنا إلى حلويات الفقراء، وهي المشبك والعوامة والتي يبلغ سعر الكيلو منها 800 ليرة سورية، أو المعروكة السادة والتي تباع بـ 500 ليرة، أو الناعم الذي يبلغ سعره 300 ليرة، ويمكن أن نشتري مرة أو مرتين خلال الشهر الكريم نابلسية أو هريسة أو مدلوقة”، مشيرةً إلى أن “المشروبات الرمضانية حاضرة كذلك على موائد الافطار كون سعرها يعتبر مقبولاً، حيث يبلغ سعر كيس السوس 150 ليرة سورية، وكيس التمر الهندي أو الجلاب 200 ليرة”.

“سوريا المصغّرة”

رغم غياب الكثير من الطقوس، إلا أنّ ما يُميّز رمضان هذا العام في الشمال المحرر، التنوع الكبير في الأكلات والحلويات السورية التي اجتمعت في مكان واحد، بعد تجمع النازحين والوافدين في تلك المنطقة، والذين نقلوا معهم طقوسهم وأكلاتهم وتراثهم.

عند تجوالك في أسواق إدلب على سبيل المثال والتي باتت بمثابة “سوريا المصغّرة”، ستلاحظ محلات الفتة الشامية “تسقية بالفقسة” والمسبحة الشامية والنابلسية، والكبة الحمصية والمشاوي الحلبية، وصولاً لمحلات حلاوة الجبن الحموية والكليجة الديرية، إلى جانب محلات الشعيبيات الإدلبية، حيث تتجاور جميعها مُشكّلةً لوحةً فنيةً، وتجد أصحاب المحلات يتنافسون فيما بينهم لجذب الزبائن، فتسمع نداءاتٍ بمختلف اللهجات السورية.

وقال أبو خالد من مهجري عربين “بعد عدة أشهر من تهجيرنا إلى إدلب قررت افتتاح محلٍ لبيع الحلويات الشامية وعلى رأسها النابلسية والمدلوقة لتأمين مصدر دخل، الأمر الذي لاقى قبولاً واسعاً بين وافدي دمشق في المدينة، إذ أغرتهم رائحة الحلويات الشامية والحنين لأيامها لشرائها، كما جذبت الرائحة أبناء المنطقة من أهل إدلب ووافدي المحافظات الأخرى”.

وأضاف أبو خالد “العيش في الشمال المحرر يتطلب الكثير من الجهد والصبر، وخاصةً أن حركة البيع ضعيفة، في ظل كثرة البائعين والمنافسة فيما بينهم، حيث بات هناك الكثير من محلات الحلويات الشامية القريبة من بعضها، لكن في النهاية الرزق على الله، وصاحب المعاملة الحسنة والعمل الأكثر اتقاناً هو من يكسب الزبائن”.