ليس هناك خيارات كثيرة خلال عمليات النزوح، خاصة إن كانت جماعية، فحجم المأساة يجعل الاستجابة بطيئة ويرفع من حدّة السرد الألمي، في ظل ضعف حقيقي بالإمكانات من قبل المؤسسات المدنية والمنظمات الإنسانية، وامتلاء المخيمات، ونقص المنازل، وما يقابله من جشع تجار الحروب واستغلال أصحاب البيوت للنازحين.

بيوت ببلاش وبيوت بأسعار خيالية

“تتضاعف إيجارات المنازل عند كل نزوح، في الوقت الذي يفترض أن يكون الأمر معكوساً”، يقول محمد (من سكان مدينة عفرين) إن إيجارات المنازل في حيه لم تكن تتجاوز كحد أقصى (50 دولاراً)، وارتفعت خلال الأيام الماضية لتتراوح بين (150-200 دولاراً)، اعتماداً على سياسة العرض والطلب، إذ لا يوجد أي قانون يحكم عملية الإيجارات وفي مختلف المناطق.

لا يقتصر رفع إيجارات المنازل على عفرين بل ينسحب على كافة المناطق السورية، والتي يرتفع فيها السعر كلما اقتربت من الحدود التركية، لأسباب تتعلق بزيادة الأمن والاطمئنان، يقول مصطفى أبو علي (صاحب مكتب عقاري) إن إيجارات بعض البيوت في سرمدا تتخطى حاجز (500 دولار) ومتوسط الأسعار يصل إلى (150 دولار لبيت مؤلف من غرفتين)، في حين تتراوح الأسعار في مدينة إدلب بين (50 -75 دولاراً)، وتقل عن ذلك في القرى والبلدات (من 20-30 دولاراً).

ويرى أبو علي أن هذه الأسعار التي وصفها بـ “المرتفعة جداً” كانت قبل النزوح الأخير، وأنها تضاعفت في الأيام الحالية، نظراً لقلة عدد المنازل وارتفاع الطلب عليها. يضاف إلى ذلك تكاليف العقود الشهرية ما يقارب (30 دولاراً) يدفعها المستأجر للمكاتب العقارية التي تقوم بتثبيت عقود الإيجارات، ومبلغاً آخر يختلف بحسب البيت وفرشه كـ “تأمين” ويتراوح وسطياً بين (20-100 دولار).

ضياء العيسى وهي نازحة من ريف حماه تقول إنها اضطرت لدفع 150 دولار شهرياً كبدل إيجار لمنزل مفروش، وذلك لعدم قدرتها على اصطحاب أثاث منزلها نتيجة القصف. وهو ما يعادل إيجار شقة سكنية مفروشة في تركيا بخدمات كاملة، بينما ضياء تدفع شهرياً ما يقارب ستة دولارات ثمن أربع ساعات من الكهرباء بمعدل أمبير واحد شهرياً (فقط للإضاءة).

يدفع سعيد اليوسف ما يعادل (65 دولاراً) كبدل إيجار منزل من غرفتين في إدلب، واضطر لدفع 30 دولار كـ “دلالة” و10 دولارات كتأمين، يقول إن صديقه يعيش في نفس الحي الذي استأجر منزله فيه ويدفع (25 دولاراً) كبدل إيجار لبيت مؤلف من ثلاثة غرف، ويكمل أن ذلك كان قبل النزوح الأخير!

في المقابل تروي لنا هيام وهي أم لخمسة أطفال أن صاحب أحد البيوت في مدينة الأتارب قدّم لها منزلاً دون إيجار، وإنها تعرفت على حالات كثيرة من العائلات التي حصلت على بيوت وأثاث دون دفع مبالغ مالية، تقول “إن خليت خربت، وأهل الخير كتار”.

خيم بـ “أرضية”

في الوقت الذي فاضت به المخيمات وعجزت عن استقبال وافدين جدد، لجأ بعض الأشخاص إلى بناء خيام كانت معهم أو حصلوا عليها من قبل المنظمات، وفي الغالب اشتروا خياماً ونصبوها على الأرض، الأمر الذي استوجب عليهم دفع بدل إيجار لمكان هذه الخيام.

أبو عبدو أحد النازحين من ريف إدلب الجنوبي يقول إنه سابقاً استأجر قطعة أرض (1500 متر) هو وأقرباؤه بما يعادل (1000 دولار سنوياً)، في بداية 2018، اليوم يطالب مالك الأرض الرجل بزيادة وصلت إلى النصف أو ترك الأرض، يقول “إنه وفي كل يوم يأتيه من يريد استئجارها بضعف هذا المبلغ”.

ليس أبو عبدو بأفضل حال من العديد من النازحين الذين اضطروا لنقل خيامهم أكثر من مرة، نتيجة طلب أصحاب الأراضي ما يطلق عليه “أرضية” في المنطقة، والتي غالباً ما تقارب إيجار المنزل، ينهي أبو عبدو حديثه بالقول “من تحت الدلف لتحت المزراب، حتى لو ساكن بخيمة!”

الظل بـ “مصاري”

تشير تقارير للأمم المتحدة أن أكثر من ثمانين ألف شخص يسكنون في العراء بعد الهجمات الأخيرة التي أدت لنزوح أكثر من نصف مليون إنسان موزعين على 72011 عائلة، بحسب منسقو استجابة شمال سوريا.

بعض أصحاب الأراضي طالبوا الساكنين في العراء بمبلغ 4 دولارات كتعويض في حال تضررت أشجار الزيتون وهي في موسم الإزهار، بعد أن لجؤوا إلى ظلال هذه الأشجار!

معظم العائلات التي افترشت الأراضي الزراعية تعاني ظروفاً إنسانية سيئة من غياب للماء والكهرباء، إضافة للطعام ودورات المياه والحمامات، تقول فاطمة السعيد (نزحت مع زوجها وأطفالها الخمسة من بلدة كفرنبودة بريف حماه) إنها لجأت بسبب القصف إلى هذه الأراضي الزراعية تاركة وراءها منزلها الذي قالت إنها “جمعت أثاثه من مدخراتها وتفننت بتزيينه وزراعة الورد والعرائش فيه”، تخفي فاطمة وجهها بيدها وهي تتساءل عن “حال عريشة العنب التي تركتها هناك، واعتادت أن تشرب برفقة ظلها قهوة الصباح والعناية بها”، تنظر إلى أطفالها بحزن، تقول “عايشة هون ع الصدقة من الناس بيعطوني غراض مضي فيهون يومي وأكل طعمي ولادي”.

عبد الرزاق الخليف (عضو في المجلس المحلي لقرى شحشبو في ريف حماة الشمالي والتي نزح منها مؤخراً ما يزيد عن عشرة آلاف شخص) قال إن المنطقة كانت تضم وافدين من كافة المناطق السورية وقام الأهالي بتأمين المنازل لهم مجاناً، ولكن بعد الحملة العسكرية بات أهالي المنطقة والوافدون في العراء بلا مأوى.

وتمنى الخليف على أهالي المناطق التي لجأ إليها النازحون “النظر في حالهم وتخفيض إيجارات المنازل، خاصة وأن بعض العائلات لا تملك ثمن لقمة العيش”، مؤكداً حدوث حالات استغلال كبيرة لوضع النازحين، مقابل وجود عوائل قامت باستضافة أسر كاملة وتقديم ما يستطيعون لهم.