كنت أظن أن مسيرتي مع النزوح انتهت بعد خروجي من حلب في 22-7-2012، إلى معرتحرمة بريف إدلب الجنوبي، إلّا أن ذلك لم يحدث، فأصوات القذائف تقترب أكثر، والحملة العسكرية الهمجية التي أطلقتها قوات الأسد وحلفاؤها شملت معظم ريف حماه الشمالي وتاخمت حدود سكني، بل لعلها لامسته أحياناً بشظايا صواريخها وقذائفها.

صامدة كنت أفكر بعدم النزوح، أرقب سكان القرية التي أسكنها والقرى المجاورة لها يحاولون النجاة كيفما اتفق، وبأي وسيلة نقل، بعضهم كان يمشي على الأقدام، أما السيارات فشكلت طابوراً طويلاً لم أستطع إكمال عدّه، رافق ذلك كله رائحة الموت والدمار، وأخبار عن شهداء قضوا في بلدة الشيخ مصطفى القريبة “مرمى حجر” عن المكان الذي اخترت البقاء والصمود فيه.

منزل الكاتبة بعد تعرضه للقصف
منزل الكاتبة بعد تعرضه للقصف

كان أطفالي يحتلون أركان الشرفة عند سماع أي صوت قوي، لم تفلح كل محاولاتي وصراخي بثنيهم عن التوقف وخطورة الشظايا التي ملأت الشرفة أكثر من مرة، هم ورثوا مني “عدم الخوف” من الطائرات، قلت في نفسي، وأنا ورثت من الأمومة خوفي عليهم ما دفعني للخروج من المنطقة ليوم أو يومين على الأكثر، هكذا كنت أظن.

قرار المغادرة جاء بالاتفاق مع زوجي الذي لم يكن سعيداً بالفكرة، فالقصف المكثف ما زال بعيداً على حدّ قوله، ابنتي الكبرى كانت في زيارة لأهل زوجها في قرية مجاورة، حسمنا خيارنا بالخروج، كانت الساعة تقترب من الثانية بعد ظهر يوم السبت في الرابع من أيار الحالي، “كم أثقل كواهلنا حفظ التواريخ اليائسة” قلت وأنا أملأ على عجل حقيبتين صغيرتين، تعمدت أن أضع فيهما “لباساً واحداً لكل فرد منا”، وأدوات التصوير الخاصة بعملي وحقيبة يدي التي دسست فيها بطاقاتنا الشخصية وشاحن الهاتف المحمول وبعض الأشياء التي وقعت يدي عليها، ثم مضينا باتجاه مخيم أطمه لزيارة واحد من الأصدقاء القدامى.

في الطريق كان زوجي يحاول التخفيف عني بـ “عبارات لطيفة” لم تلاقي صدىً وسط حركة النزوح والمحلات المغلقة وموت الحياة، قال لي “طلعي ما في شي”، أجبته “أصلاً هي زيارة يومين وراجعين”، كان ذلك قبل الوصول إلى شارع الكورنيش في كفرنبل، لم أتمالك دمعة خرجت عنوة من عينيّ، التفت صوبه سألته “ياترى منرجع؟!”

عند وصلنا إلى بيت أصدقائنا تفاجأنا بصغر منزلهم، أحسست أن جبلاً ثقيلاً من الهم رقد فوق قلبي، بالرغم من الترحيب والسماحة التي قوبلنا بها، ذلك البيت الضيق قالوا إن “أجرته 100 دولار مع منية”.

مساء كانت ثلاث مروحيات وحربيتان تقصف قريتنا، قال لي أحد جيراننا أن الطيران لم يغادر سماءنا في تلك الليلة، كما لم يغادرني الدعاء والبكاء، حين علمت أن ابنتي وأولادها في واحد من البيوت التي قصفت ببرميل متفجر، غابت أنفاسي، قلبي الذي كنت أظنه دوماً عطوفاً يشعر بالناس وآلامهم ازدادت نبضاته، صرت أسمعها ولعلّ كل من حولي كان يسمعها أيضاً، أما دمعتي فقد تحجرت وأنا أتخيلهم تحت الأنقاض.

لم أنم تلك الليلة، لم تمرّ عليّ في حياتي ليلة أكثر برداً وظلمة كهذه، إلى أن أتاني خبر وجودهم على قيد الحياة، في الصباح الباكر خرج أغلب أهل البلدة، كانت ابنتي برفقتهم، وصلت إلى خيمة في مخيم الرعاية تضم حوالي أربعين شخصاً، هكذا أخبرتني بعد أن وجدت هاتفاً، فاتجهت في رحلة البحث عن هذا المخيم.

أخبرنا من سألناهم أنه يقع بالقرب من “مخيم الأمل”، كان اليوم حاراً ومغبراً، والناس وكأنها في محشر، السيارات تمر ببطء، عند كل بضعة أمتار تصادفك وسادة أو وعاء أو بطانية، تركها نازح آخر أو سقطت من رحلة نزوح.

وجوه الناس بائسة، بدا عليها اليأس، مضحك أن يكون اسم اللافتة التي تضم حزنهم “مخيم الأمل”، وأخيراً وصلنا إلى مخيم الرعاية، لم أستطع تمالك دمعتي وأنا أضم حفيدتي ذات الثلاثة أعوام، كانت تواسيني “ليش عم تبكي.. خدينا معك نحنا ضربتنا الطيارة”.

عدنا أدراجنا لنصل إلى الأتارب، كنا قد استأجرنا منزلاً هناك، لا أعرف إلى متى، ولكن بأمنيات كبيرة بالعودة، وخوف من المجهول.