هكذا يصف أهالي حماه حال الواقع الطبي الخاص والعام في مدينتهم، والذي ساء خلال السنوات الأخيرة بعد هجرة الأطباء المختصين إلى العاصمة دمشق أو إلى الدول المجاورة، وغياب الرقابة الصحية وسيطرة التّجار على المهنة الإنسانية، واستغلال أبنائها دون رقابة، خاصة مع سيطرة جهات تتبع للقوى الأمنية والشبيحة على معظم مفاصل الحياة فيها.

تقول أم خالد إن أقل “كشفية للأطباء” تزيد عن ألفين وخمسمائة ليرة، معظمهم غير مختصين، ولكنهم غالباً ما يضعون لافتات تعدّد قدراتهم، دون جدوى. وتروي لنا السيدة أنها تكلفت ما يزيد عن خمسين ألف ليرة لعلاج طفلها من “نزلة برد وسعال” كما قال أحد الأطباء، بعد زيارات عديدة والكثير من التحاليل والأدوية، إلا أن حاله كانت تزداد سوءً في كل يوم، وعند مراجعتها للمشفى تبين أن تشخيص الطبيب كان خاطئاً، وأن خطأ التشخيص فاقم الحالة لتصل إلى “ذات الرئة، مع تشكل مياه في الرئتين بنسبة تزيد عن 20%”.

تكمل السيدة أن المشفى كان يتقاضى في كل يوم “ثلاثين ألف ليرة كمنامة”، ناهيك عن الأدوية والتحاليل والصور، تقول إنها استنفذت كل مدخراتها واضطرت للاستدانة لإكمال علاج الطفل، مؤكدة أن “جهل الطبيب كان السبب” بحسب ما أخبرها الأطباء في المشفى، دون أن يكون هناك أي جهة رقابية لمحاسبته، فهي تخشى على نفسها من “الاصطدام” بهم ما سيعرضها للخطر.

أم يحيى والتي أصيبت بجلطة دماغية تم نقلها على إثرها إلى مشفى الحكمة ووضعها في العناية المشددة، اضطر أبناؤها لإخراجها في اليوم التالي ونقلها إلى المشفى الوطني في المدينة، رغم خطورة حالتها، فـ “الليلة الواحدة بخمسين ألف، دون الأدوية” وهي أكلاف يصعب تأمينها.

تقول السيدة التي بدأت بالتعافي إن “المريض في المشفى الوطني ليس سوى رقم تسلسلي، يصل إليه الطبيب بعنجهية ودون أي اهتمام”، كما يفتقر المشفى بحسب أم يحيى “لأدنى مقومات النظافة، فالحشرات تملأ الأسرة والأغطية”، ناهيك عن “المعاملة السيئة من قبل الممرضين والأطباء، وصراخهم الدائم على المرضى ومرافقيهم”، عبارتهم المكررة دائماً “إذا ما عجبك روح على مشفى خاص”.

وعلى الرغم من المبالغ الكبيرة التي خصصت للمشفى بحسب مواقع موالية للنظام نقلت عن مهندسه عبد الكريم في جريدة الفداء تخصيص مبالغ كبيرة لتحسين وضع الكهرباء والمعدات الطبية، إذ تبلغ قيمة فواتير الكهرباء فقط ما يزيد عن عشرة ملايين ليرة، وشراء مجهر بصري للعمليات الجراحية ما يزيد عن خمسة وعشرين مليون ليرة، إلّا أن هذه الخدمات “لناس وناس” على حسب من تحدثنا عنهم، والذين لا يجدون أدنى درجات الخدمة الصحية في المشفى.

تقول ياسمين الحاج (24 عام) من أبناء مدينة حماة لفوكس حلب إنها راقبت طفلتها وهي تفارق الحياة في غرفة الإسعاف بالمشفى الوطني، بانتظار قدوم الطبيب الذي لم يصل! في الوقت الذي اكتفت فيه الممرضة بالقول “عملنا الي علينا وهاد الي صار”.

يبلغ عدد الأطباء الاختصاصيين في المشفى 158 طبيباً، و751 ممرضاً وفنياً، إضافة إلى 127 إدارياً، بحسب تصريح لمدير المشفى الوطني مطلع الشهر الفائت لجريدة تشرين، وأمام هذا العدد الضخم نادراً ما تجد طبيباً لمتابعة حالتك، تقول ياسمين.

بينما يرى أحد الممرضين أن المدينة تفتقر للأطباء الاختصاصيين، وأن معظمهم يعتبرون وظيفة المشفى أمراً ثانوياً، “غالباً ما يغيبون أو ينقطعون عن الدوام”، إضافة لحالة التذمر التي ترافق الجميع إذ يبلغ راتب الطبيب ما يقارب 40 ألف ليرة، في حين لا يزيد راتب الممرض أو الفني عن 30 ألف لا تكفي كـ “أجور مواصلات”.

يضحك الممرض وهو يخبرنا عن المشفى الوطني استعان بفنيين من لبنان لمعالجة انتشار الحشرات وخاصة “الصرصور الطائر”، واعتمدوا في مكافحتها على وضع طعام لها بطعم “الشوكولا” مع المبيدات للقضاء عليها، دون جدوى. يعلّق على الحادثة التي لم نستطع التأكد من صدقها “يبدو أن الصراصر أعجبتها نكهة النوتيلا حتى عادت بكميات أكبر، لتشارك المريض طعامه وسريره وأغطيته”.