إلى جميع المعتقلين والمعتقلات بالسجون السورية والمصرية

لم أقرر عند التفكير في إرسال أول مادة لهذا الباب أن تكون المادة الأولى عن كتاب “بالخلاص يا شباب”. عندما طلب مني الصديق مصطفى أبو شمس كتابة تجربتي مع الكتاب شعرت بالارتباك الشديد.
ارتباك ينبع بالأصل من تخوفي القديم والمستمر من البوح بمشاعري، خاصةً إذا كانت غير مفهومة لي بشكل كامل وتشكل في كثير من الأحيان عبئاً ثقيلاً.
قرأت الكتاب للمرة الأولى منذ حوالي عام ونصف العام. كان توقيت قراءة الكتاب صعباً جداً على المستوى الشخصي والعام، وكنت في ذلك الوقت أبدأ في محاولة ” الخروج من النفس والنظر إليها” على نحو ما يقول ياسين الحاج صالح في واحدة من أهم وأجمل فقرات الكتاب.
منذ ذلك اليوم والكتاب لم يفارق مخيلتي، أعود إليه كلما فكرت في مراجعة نفسي ونقدها، أعتقد أن الإنسان يكون محظوظاً عندما يقرأ كتاباً مثل هذا الكتاب في ذلك الوقت من حياته (وقت الخسارات الكبيرة وإعادة التقييم).
جزء رئيسي من الخوف الذي تملكني عند الكتابة هو كيف يمكنني ترجمة مشاعري وتجربتي مع الكتاب وحتى مع الكاتب نفسه وكتاباته الأخرى بشكل، هل يمكن ترجمة كل تلك المشاعر والخبرات إلى كتابة؟ لست متأكداً من ذلك حتى هذه اللحظة.

القراءة الأولى للكتاب وتشكل العلاقة مع الكاتب:

اشتريت الكتاب في معرض القاهرة عام 2018. كنت قد بدأت القراءة المنتظمة لياسين الحاج صالح قبل ذلك بعامين شكّل فيهما الكاتب مصدراً شخصياً للإلهام وتغذية المخيلة السياسية. كان العام 2018 شاقاً للغاية على المستويين الشخصي والعام. فعلى المستوى الشخصي، كنت أمر منذ منتصف العام السابق بأزمة شخصية طاحنة. أما على المستوى العام، كان يزداد الوضع السياسي في مصر صعوبة مع استمرار طغيان النظام وبطشه.
لذلك كان توقيت القراءة ذهبياً بالنسبة لي وأصبح بمثابة لحظة تأسيسية في حياتي بلا أدنى مبالغة، سأحاول أن أشرح ذلك بالتفصيل أدناه.

دورات تنمية للضمير:
(تساعد تجربة السجن على التأمل في النفس وموضعة النفس: ما ألاحظه بخصوص غيري، ألا ينطبق عليّ أيضاً؟ وإذا كانوا “هم” يقومون بتلك الأشياء السخيفة، فهل “نحن” لا نقوم بأشياء مماثلة؟ هذا تمرين على التفكير الانعكاسي، والتدريب المتكرر عليه تجربة ثمينة لتطور الوعي الذاتي ونمو الضمير. نسائل أفكارنا فنمتلكها، لا تصير ملكنا قبل المساءلة والامتحان؛ ونسائل أنفسنا فنمتلكها، ننتزعها من الجماعة والقبيلة والطبيعة).

أعتبر تلك الفقرة هي أجمل فقرات الكتاب وأكثرها أهمية بالنسبة لي. الكتاب كان بمثابة نقطة انطلاق لنقد ذاتي سياسي وشخصي فكرت فيه منذ نهاية 2017 ولم يتحه الوقت وتسارع الأحداث قبل ذلك. انخرطت في الشأن العام وعمري لا يزداد عن ستة عشر عاماً في الـ عام2011، سن صغيرة للغاية مع تسارع الأحداث وقوتها ثم الهزيمة الساحقة وصعود الثورة المضادة. منعني ذلك السياق وصغر سني من الالتفات إلى عمل نقد ذاتي ومراجعة شاملة لأفعالي وتحركاتي السياسية ولم أفكر في ذلك سوى قبل قراءة الكتاب ببضعة أشهر.
الأمر الآخر الذي شكّل تحولاً هائلاً في طريقة تفكيري هو تأكيد الكاتب في أكثر من موضع على أهمية الرواية الشخصية للتجربة وامتلاك الناس لتجاربها وآلامها. ثم إدراكي بعد ذلك لمدى ارتباط العام بالشخصي مما عمّق المراجعة وساهم في التعافي من الأزمة الشخصية التي مررت بها في ذلك الوقت. حاولت الخروج من نفسي ومساءلتها. ساهم ذلك كثيراً في ما أنا عليه من تحسن الآن.

كيف يساعد الكلام والكتابة عن السجن في امتلاك التجربة؟

(استعادة قصصنا وأسمائنا تقتضي مواجهة الدكتاتورية التي تنكر وجودنا ذاته. هذا شيء أفعله وفعله غيري. لكن يلزم التخلص من أسطورة المعتقل السياسي، هذا الشخص بلا شخصية، الذي يقضي سني سجنه المديدة صموداً وثباتاً؛ الذي هو مقيّد ضمن إطار أيديولوجي وسلوكي يجرّده من استقلاله وفرديته، ليجعله تجسيداً لفكرة مجردة. التحرر هذا ضروري من أجل التخلص أيضاً من طِباق هذا البطل الذي هو “المنهار” أو “المتخاذل”. هذا الذي تنظر إليه الأيدولوجية نفسه كأنه نبتة برية ضارة، يُستحسن اقتلاعها (بالمناسبة، لو تعاملنا في ما بيننا وفق هذه الأيديولوجية لدمّرنا أنفسنا وجعلنا حياتنا في السجن جحيماً موصولاً). لا يزول “المتخاذل” دون أن يزول “البطل”، ليحلَّ محلهما معاً سجين يصارع سجنه، لكنه يحترمه، ولا يندفع نازعاً إنسانيته الخاصة في صراعه ضد وضع نازع للإنسانية فعلاً).

في مصر، منذ 2013 وحتى الآن تغيرت تجربة السجن بشكل جذري لم تشهده الحياة السياسية المصرية تقريباً من قبل. تشير أغلب التقارير الحقوقية إلى وجود حوالي أربعين ألف معتقل في السجون، تحول السجن في السنوات الست السابقة إلى “تجربة وطنية” كما يشير ياسين على السجن في سوريا.
حتى الآن، الكتابة عن السجن نادرة للغاية ومحصورة في كتابات مقتضبة على وسائل التواصل الاجتماعي. لهذا الكثير من الأسباب المعروفة ومنها قلة عدد الذين خرجوا من السجن وتعرض معظمهم لمراقبة أمنية وتضييق صارم.
لكن كيف يمكن لنا التعلم من تجربة السجن في سوريا (التي هي أقسى وأبشع وأوسع بما لا يقاس ولا يمكن في رأيي مقارنتها بتجربة السجن في مصر). أعتقد أن ما يسميه ياسين “أيدولوجية السجن” حاضراً وبقوة في التعامل مع التجربة في مصر. يحصر الكثير من الناس السجناء في إما نموذج “البطل” أو “المتخاذل”. ويتم التعامل مع السجن كبطولة وفي بعض الأحيان كواجب لابد المرور به لأي شخص يعمل بالسياسة أو المجال العام.
نحتاج أن نحرر التجربة من ذلك “السجن” الأيديولوجي لها، وأن نكتب عن ذواتنا ومشاعرنا وتجاربنا الشخصية في سبيل امتلاكها.
لا أحاول هنا فرض وجهة نظري على من مر بتجربة السجن بل مناقشة الأداء العام للناس مع التجربة ويتملكني شعور كبير بالقلق من الفهم الخاطئ خاصة وأني لم أتعرض لتجربة السجن من قبل.

تحويل السجن إلى موضوع ثقافي:

أثناء قراءتي الثانية للكتاب من أجل كتابة هذه المادة، انتبهت إلى أن الكتاب لا ينتمي فعلياً إلى ما يسمى بـ”أدب السجون” وأن أبرز ما يقال في توصيفه هو ما قاله الكاتب نفسه في مقدمة الكتاب (تحويل السجن لموضوع ثقافي). فالسجن أضحى تجربة واسعة في بلداننا على اختلاف ظروفها وقسوتها. وتحويله إلى موضوع ثقافي ومناقشته من هذا المنطلق يساهم في امتلاك الناس للتجربة والمساعدة في السرد الذاتي لكل تجربة. على أن الكاتب يحاول أن ينشئ أيضاً في رأيي ذاكرة جمعية للسجن، ولكن ليس من الطريق الأيديولوجي الذي يخدم حزباً معين أو وجهة نظر جاهزة وإنما نظرة متحررة للذاكرة الجمعية على أنها التجارب الذاتية لكل فرد وأفكاره وانفعالاته داخل التجربة.
أريد أن أختم هذه المادة بذلك المقطع الذي أتخيل أنه لا يوجد أنسب منه كعنوان طويل لذلك الباب..
“الكتب تضاعف الحياة، تمنحنا حياة فوق حياتنا وصحبة مختلفة. وفي هذه الحياة المضافة نحن أحرار، ومع هؤلاء الأصحاب نتخفف من الابتذال الذي يغمر، حتماً، علاقتنا برفقاء السجن. لكن الشيء الأهم أن الكتب تغيّرنا، تمنحنا أنفساً جديدة، تعيد تشكيلنا، تجدد أرواحنا، وهو ما يساعد في الحفاظ على عافيتنا الجسدية بالذات. وبدلاً من أن تكون وسيلة إنساء فإنها تصنع لنا سجل وجود وإدراك جديد، وذاكرة إضافية.”

عمر هشام.