النزوح واللجوء، وإن كانت الكلمتان تعنيان الانتقال من مكان لمكان بغرض البحث عن الاستقرار والأمن، إلّا أن الأخيرة اختصت بتجاوز الحدود المرسومة والانتقال إلى بلد آخر، في حين اختصت كلمة النزوح بالانتقال ضمن أراضي دولة واحدة.

يستثنى من هذا المفهوم الحالة السورية وما يعيشه سكانها خلال الفترة الأخيرة، ولا بدّ من اكتشاف أسماء جديدة لمعجم المفردات التي من شأنها وصف ما يحدث، فلا اللجوء شكّل حياة مستقرة، هذا إن أخذنا بالحسبان قدرة السوريين على اللجوء أصلاً، ولا النزوح أيضاً والذي سُلب من مفهومه المعنى الأهم، ليضعك أمام سؤال واحد، هل نحن في أرض واحدة؟

سنبدأ من الراهن للحديث عن مفهوم الدولة الواحدة والتي يفترض فيها أن تكون ذات سيادة على أراضيها، أو على الأقل ما يسبب نزوح بعض السكان حرب مع دول مجاورة عند خطوط التماس، أو اقتتال داخلي بين جماعتين يفضي إلى نزوح بعض السكان بحثاً عن مكان أكثر أمناً، أو هرباً من الانخراط في هذا الصراع.

تنقسم سوريا اليوم إلى دويلات هي بذاتها تنقسم أيضاً إن صح التعبير إلى دويلات أخرى ويستمر الانقسام لنصل إلى حالة مناطقية وربما عائلية أيضاً، ولن ندخل في جدلية مناطق نظام الأسد وانقساماتها بل سنكتفي بما يحدث في مناطق المعارضة السورية، وبخاصة تلك التي تشهد اليوم حركة نزوح كبيرة تجاوزت خلال الأيام الماضية عشرات الآلاف من المدنيين، قسم كبير منهم نازح بالأصل من مناطق أخرى سيطرت عليها قوات الأسد في حلب وريف دمشق وحمص ودرعا وحماه ودير الزور.

بحسب الفصائل العسكرية الحاكم الفعلي لهذه المناطق فالمنطقة تقسم إلى مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام وهي القسم الأكبر من إدلب وريف حماه وريف حلب الجنوبي والغربي، ومناطق أو “جيوب” لا تزال في ذات المنطقة الجغرافية تسيطر عليها فصائل عسكرية أخرى كجيش العزة وأحرار الشام وغيرها من الفصائل، ومناطق غصن الزيتون نسبة إلى المعركة التي تم بها السيطرة على عفرين وما حولها من قبل فصائل تابعة للجيش الحرّ أو “الجيش الوطني” شأنها شأن مناطق درع الفرات أيضاً نسبة إلى اسم المعركة التي تم فيها السيطرة على مناطق داعش في ريف حلب الشرقي والغربي.

تضيق الدائرة في هذا الانقسام إلى أن كل منطقة تخضع بالضرورة للفصيل المسيطر عليها، ويعتبر هو الحاكم الفعلي فيها وتبدو وكأنها مقاطعة منفصلة عن غيرها، تسن القوانين وتنفذها وتفرض الإتاوات والضرائب وتشكل مؤسساتها المدنية وحتى محاكمها التي تنقسم أيضاً إلى محاكم عاملة بالقانون السوري بعد تعديلات طفيفة وأخرى للقانون العربي الموحد، وأخيراً المحاكم التي تعتمد على الشريعة.

وبالرغم من وجود مؤسسات مدنية كالمجالس المحلية إلّا أن سلطتها شكلية وتعاني من نقص حادّ في الإمكانيات، ويكاد دورها يتحول إلى سلطة تنفيذية لأوامر العسكر بدلاً من أن تكون الأخيرة ذراعها التنفيذي.

داخل البيت الواحد لكل فصيل يحكم أي منطقة هناك تقسيمات أخرى تتبع لمناطق نفوذ تحددها قوة الأشخاص المنتمين إلى الفصيل، من حيث العدد والتمويل، وهو ما ينعكس أيضاً على المحاسبة في حال الانتهاكات، وهناك دلائل كثيرة على سياسة الكيل بمكيالين بحسب القوة، ليس آخرها “أبو عمشة” و “اليابا”، وعمليات الخطف في إدلب والتي قيل إن الجهة الخاطفة فيها معروفة في إشارة لأمراء من الهيئة، فيما سمي بسياسة “الاحتطاب”، وأيضاً الفارق الملموس في تنفيذ السلطة (الممنوعات والمباحات) بين المناطق التي تسيطر عليها.

ولعلّ المفارقة الأهم في الانقسام الحاصل فتح معركة شمال حلب لاستعادة بعض القرى العربية من قبل الفصائل المتواجدة هناك بأوامر ودعم تركي، في الوقت الذي تتعرض له المناطق في الجهة المقابلة (حماه وإدلب) لأعنف هجوم منذ بداية الثورة، بمئات الغارات الجوية والقصف المدفعي، والذي أودى بحياة المئات ونزوح عشرات الآلاف داخلياً، دون أي ردّ فعل من هذه الفصائل، وكأن الأمر شأن داخلي مستقل لدولة مجاورة، ولا حتى من الداعم التركي “الضامن لمناطق خفض التصعيد التي تتعرض لكل هذا الإجرام والهمجية والعنف”.

نحنا لسنا دولة واحدة، فلا ينطبق علينا لفظ “النازحين” والذي بموجبه على الدولة تأمين سبل الحياة والأمن بالحد الأدنى، وأيضاً لا يتمتع النازحون من دويلة إلى دويلة بحق اللجوء، تلك الأماكن ليست أكثر استقراراً في ظل غياب المأوى والطعام والطبابة، وبمجرد التفكير بطول أمد النزوح الحالي، فعلينا التفكير في التعليم وفرص العمل شبه المعدومة وغياب المؤسسات والمنظمات الداعمة، ويكفي هنا النظر إلى حال المخيمات التي تضم مئات الآلاف من النازحين، والذين تتصدر معاناتهم مواقع التواصل الاجتماعي ونشرات الأخبار في كل وقت من أوقات السنة.