لا تكاد تخلو قرية في أرياف إدلب وحماه من وجود “رام للمياه” وهو اسم يطلق على “مسطحات مياه جمعية من مياه الأمطار على شكل بحيرات صغيرة أو متوسطة الحجم”، يقصدها الناس صيفاً للتنزه والسباحة، ويعتمد عليها الفلاحون ومربو المواشي في سقاية أراضيهم ومواشيهم، ولبعضها خاصية طبية تعود لطبيعة تربتها ويقصدها الناس للاستشفاء من بعض الأمراض.
ويعتبر “رام الجوخي” في جبل شحشبو في الجزء الغربي الشمالي من حماه، والذي يعدّ امتداداً لجبل الزاوية، أهمها، إذ تزيد مساحته عن ألفي متر مربع، بينما يتراوح عمقه تدريجياً بين نصف متر إلى ثلاثة أمتار، وهو رام قديم يعود إلى العهد الروماني قام أهالي المنطقة بتجريفه وتوسعته سابقاً، لتجميع مياه الأمطار والاستفادة منها بشكل أكبر. تربته بركانية ذات امتصاص قليل للمياه وهو ما ساعد على توافر المياه طوال أيام السنة مع تفاوت في نسبها.

ويلجأ كثر من أبناء القرية والقرى المجاورة إلى “الرام” للاستشفاء من بعض الأمراض الجلدية وداء الروماتيزم واليرقان، منذ القدم، وقد كانت إشاعات سابقة تفيد بأن لمياهه خاصية الاستشفاء وذلك لورود “أحد الأولياء إليه ودفنه فيه” بحسب أهالي القرية، وهو ما لم يرد ذكره في المراجع التاريخية ولا يوجد دليل على صحته، إلّا أن الأطباء أعادوا فائدة تربته ومياهه إلى طبيعة تربيته البركانية، يقول الصيدلاني مالك الطويل “إن هذه التربة تحتوي على نسب عالية من الحديد والتي يتم وصفها من قبل الأطباء لعلاج مرض اليرقان، وبعض الأمراض الجلدية، إذ يقوم المرضى بدهن أنفسهم بالتربة ومن ثم الاستحمام بالمياه للفائدة العلاجية”.

لا تقصد أم عبد الله وعائلتها الرام للعلاج، بل تعتبره متنفساً يلجؤون إليه في أيام حرّ الصيف، بقصد الترويح عن النفس والنزهة وسباحة الأطفال، بعد تعذر الذهاب إلى المناطق السياحية، وغلاء المواصلات وإيجارات المزارع في المناطق السياحية كـ “دركوش” وغيرها.

وترى أم عبد الله أن المكان مؤهل للسياحة لولا افتقاره للخدمات، فلا مقاهي ولا مطاعم تنتشر حوله، ولذلك يقوم الأهالي بإعداد حاجياتهم من طعام وشراب وألعاب والتوجه إلى المكان الذي يعج بالناس في الصيف، إذ يصبح من الصعب الحصول على فسحة في المكان.

ويعتمد أهالي شحشبو وما حولها على مياه الرام في سقاية أراضيهم ومزروعاتهم الصيفية، خاصة وأن المنطقة تفتقر للآبار الجوفية وهذا ما دفع المزارعين للاعتماد على الزراعية البعلية، إذ يقوم الفلاحون بتعبئة “صهاريج المياه” من الرام واستخدامها لري مزروعاتهم، وهو ما يوفر ثمن المياه، إذ يتراوح سعر صهريج المياه في المنطقة بين (2500-5000) ليرة.

ويرى أبو أسعد أن “الرام” وفر له ولمربي المواشي المياه اللازمة لسقاية مواشيهم. فبعد نزوحه من ريف إدلب الشرقي سكن في خيمة بالقرب من تجمع المياه، فالمواشي تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه (حوالي 50 برميل يومياً) يصعب عليه توفيرها وشراؤها، إضافة إلى الأعشاب التي تنبت في الأراضي المجاورة له وتوفر جزء ليس بقليل من الغذاء لأغنامه خلال فصل الربيع.

وفي تجربة جديدة عمد بعض مربي الأسماك، العام الماضي، وضع فراخ السمك الصغيرة في “الرام” لمعرفة إمكانية تربيتها هناك، لاقت التجربة نجاحاً جيداً، وصرت ترى العديد من الأهالي يصطادون الأسماك على ضفافه.
بالرغم من الفوائد الكبيرة لهذه التجمعات المائية، إلّا أنها تمثل خطراً كبيراً لمحبي السباحة، خاصة من الأطفال، إذ لا تكاد تمر سنة دون أن يغرق أحد الأطفال أو الشبان في مياهها، مع غياب التجهيزات اللازمة والمسعفين بالقرب منه، إضافة لمياهه الثقيلة خلافاً لمياه البحر التي تساعد على السباحة، تقول أم يسوف إن ولدها أحمد (18 عاماً) غرق في مياه الرام صيف عام 2017، ولم يتمكن أحد من إنقاذه، بعد أن قطع مسافة طويلة (أكثر من نصفه) وطلبه للنجدة، إلّا أن أحداً لم يصل لإنقاذه، وشهدت التجمعات المائية غرق كثر غير أحمد خلال السنتين الماضيتين في (رام الجوخي والدعتور في قرية معرة الصين وبليون في جبل الزاوية)، خاصة من النازحين الذين يجهلون عمق هذه التجمعات.