الصفحة الرئيسية مجتمع القراءة كانتهاك محبب للذات

القراءة كانتهاك محبب للذات

 

حين اكتملت فكرة مشروع الكتابة عن المنتج الأدبي والفكري في الثورة السورية، كنا أمام مفترق للطرق وكان عليناً أن نبحث عن شكل ومعنى لما سنقوم به، في البداية دارت نقاشاتنا حول مراجعة نقدية وفكرية للكتاب ودوره وأثره في الحياة السورية العامة وتوجيه الذائقة، إلّا أن هذه الفكرة سرعانما تلاشت أمام الحديث عن التجربة، ربما ليس لدينا القدرة الحقيقية لكتابة مراجعات نقدية ولن نضيف إلى ما كتبه النقاد والصحفيون أي جديد، ولهذا ركنا لفكرة التجربة، وتوثيقها، تجربتك مع القراءة أولاً، ثم ومن خلالها انفعالاتك وشعورك خلال رحلتك مع كتاب معين بحد ذاته، ما الذي تشكّل في داخلك خلال ساعات القراءة، وأي ملامح رافقتك وأنت تقترف هذا الفعل المحبب؟

في هذا الباب والذي سيضم مادة أو مادتين شهرياً على الأكثر، سنتناول كتباً بعينها، وسيبدأ صديقنا عمر هشام من مصر بالحديث عن تجربته في كل مرة عن الكتاب، مع إبقاء الباب مفتوحاً لكل من يريد الكتابة عن ذات الكتاب بوجهة نظره، وسنكون سعداء جداً لو حدث ذلك.

لن نطلق على هذا الباب اسماً، من قبيل “تجربتي أو حكايتي مع كتاب”، سنترك الأمر حرّاً للكتاب في اختيار مسميات موادهم التي سنعمل على نشرها تباعاً، كما نتمنى من أصحاب الكتب أنفسهم أن يطلعونا على “تجربتهم الشخصية وانفعالاتهم حين قرؤوا منتجهم الذي خرج للنور أو عند كتابته”.

المادة الأولى ستكون لـ “عمر هشام” وهو كاتب من مصر شديد الالتصاق بالثورة السورية، يحكي لنا تجربته مع القراءة بالعموم، والأسئلة التي واجهته شخصياً خلال فعل القراءة الذي ترافق مع تطورات شخصيته وتكوينها خلال التغيرات السياسة والحياتية التي مرّ بها.

وسيكون كتاب “بالخلاص يا شباب للكاتب “ياسين حاج صالح” أول الكتب التي سيتناولها هذا الباب، للحديث عن تجارب لقرّاء معه، انفعالاتهم وشعورهم وما طرحه الكتاب من تساؤلات وما قدمه من إجابات أيضاً.

القراءة كانتهاك محبب للذات

طلب مني صديقي “مصطفى أبو شمس” منذ يومين كتابة مقالة افتتاحية لهذا الباب، منذ ذلك الوقت وأنا أشعر بحيرة شديدة. أفتح حاسوبي وأجلس أمام الصفحة البيضاء ولا أكتب شيئاً. قررت أن تكون هذه الحيرة هي البداية!

كيف نرى القراءة؟ كيف نفكر بها؟ أشعر بأني عند قراءة أي نص جديد ألتف حول ذلك السؤال.

جعلتني تلك الدعوة للكتابة أواجه ذلك السؤال وجهاً لوجه، قد تكون هذه أول مرة يحدث ذلك، مستدعياً عشرات النصوص المتراكمة داخل دماغي مع عشرات الانفعالات والذكريات.

أول ما نطق به دماغي، أن القراءة كـ “فعل” هي انتهاك للذات. تنتهك القراءة ذاتنا المغلقة التي نتخيل أننا شكلناها بحرص على مدار سنوات. أي نص جديد قرأته كان بمثابة تحطيم للبناء المسمى بالذات. الكتب تعيد تشكيل هويتنا كل مرة، تتداخل الخبرات الحياتية مع النصوص وتصوراتنا عنها ليغيب الحد الفاصل بين القراءة والتجربة وينتج ثالث جديد هو مزيج من الاثنين.

كطفل أتيحت له فرصة تعلم القراءة مبكراً، ثم سهولة الحصول على الكتب، تشكلت ذاكرتي عن القراءة كعالم عشوائي غريب. كنت أقرأ كل ما تتمكن عيناي من ملاحظته بداية من الجريدة اليومية التي يحرص أبي على شرائها منذ ما يقرب عن ثلاثين عاماً حتى لافتات الإعلانات في الشارع.

عالم غريب وواسع، هو أوسع بأي حال من حياة طفل ثم مراهق من الطبقة الوسطى في مدينة القاهرة أثناء حكم حسني مبارك، حيث لا أشياء جديدة مهمة تحدث، استقرار أشبه بجثة تعيش بفضل التنفس الصناعي في مستشفى كبرى اسمها القاهرة.

كانت القراءة أثناء المراهقة منقذاً، وكانت نظرتي إليها تقليدية كـ التي نحفظها في المرحلة الابتدائية (بأن القراءة هي غذاء الروح وتجعلك تسافر وأنت في مقعدك. وكشخص كسول منذ الصغر، أحببت ذلك الوصف للغاية).

بعد ذلك بسنوات قليلة ومع بداية العمل السياسي الذي رافق الثورة المصرية، بدأ شكل القراءة يتغير بشكل جذري. اختلطت الأحاسيس وتحوّلت القراءة إلى أداة للاشتباك السياسي وتطوير الممارسة السياسة، مع تحولها في بعض الأحيان لسجن حزبي مع برامج القراءة المرتبة وتوصيات بقراءة نصوص بعينها قبل نصوص أخرى.

لا أريد الإطالة في هذه المرحلة لأسباب كثيرة، ولكن أهم ما اختبرته في هذا الوقت هو إمكانية تحول القراءة –وأي فعل آخر- من عالم واسع ومَهرب إلى سجن دوجمائي ضيق، وأن للفعل نفسه أوجه كثيرة لم أكن أعرفها بل لم أكن أتوقعها أثناء فترة المراهقة وتصوراتها الرومانسية.

إلا أنه وبالنسبة لي، فتدخل القراءة في حياتي بالشكل الأعمق لم يأت إلا منذ حوالي عامين بعد تجربة شخصية طويلة الأمد انتهت بالفشل، بدأت أولاً في استعادة القراءة كمهرب كما تدرب دماغي منذ المراهقة، ومع تجربة انعزال طويلة بدأ دور القراءة في إعادة تشكيل هويتي مرة أخرى عن طريق النقد الذاتي للتجربة.

في تلك الأيام، بدأت في نقد تجربتي الشخصية كبديل عن الجنون. بدون إرادة تداخلت التجربة العامة مع الخاصة ورأيت أن ما يفصل العام عن الخاص هو خط وهمي غير موجود في الأصل.

شكلت إعادة القراءة مثلاً معنى هام عن تلقي النص والتفاعل معه، لأن قراءة نصوص في ذلك الوقت للمرة الثانية أعطت استنتاجات مختلفة تماماً عن القراءة الأولى.

كانت القراءة مدخلاً لما يسميه ياسين الحاج صالح (الخروج خارج النفس ومساءلتها ومحاولة تنمية الضمير)، شكل كتابه “بالخلاص يا شباب” مصدراً واسعاً للإلهام في شجاعة مساءلة الذات ومحاسبتها، ولعل هذا المقطع من الكتاب لن أنساه أبداً (نسائل أفكارنا فنمتلكها، لا تصير ملكنا قبل هذه المساءلة والامتحان؛ ونسائل أنفسنا فنمتلكها، ننتزعها من الجماعة والقبيلة والطبيعة).

قرأت لسنوات طويلة بلا هدف محدد. ساعدني ذلك على التحرك بحرية وسط النصوص والتفاعل معها ولكن منذ وقت ليس بطويل وبشكل غير واعي أدركت أن القراءة تساهم في تشكيل أسئلتنا، عن العالم وذواتنا والسياسة والهوية.

أفكر الآن بأن الأسئلة أهم بكثير من الإجابات، لا أعتقد بأن هناك إجابة نهائية لأي موضوع أياً كان. امتلاك السؤال يأخذ سنوات من العمل والتفكير والاختبار وهو بحد ذاته هدف شخصي أسعى إليه.

أفكر بأن تجربة الكتابة في هذا الموقع تساعدني على تطوير أسئلتي، عن طريق العمل مع نساء ورجال لديهن/م أسئلة مختلفة وإن كان فيها بعض من المشترك. نساء ورجال مر أغلبهن/م بتجربة الثورة في سوريا وتشكلت ذواتهن/م من خلالها. يساعدني في التشجع على التجربة شعوري بأن هناك ما يجمعنا من تجربة عامة، عن طريق ثورتي سوريا ومصر وما مررنا به-على اختلافه- في السنوات الثمان السابقة.

لعل ذلك هو ما يحركني للكتابة عن القراءة والكتب، باعتبارها أي القراءة ثاني أصعب فعل على النفس بعد الكتابة، فكيف إن الكتابة عن القراءة نفسها؟ ذلك أشبه بالمستحيل…

القراءة بالفعل هي انتهاك ضخم للذات وإعادة تشكلها في عملية طويلة، لكنه انتهاك يرغبه الفرد لتنمية ضميره ومساءلة نفسه على نحو أفضل.

عمر هشام