على الشارع الممتد من دوار الشهداء إلى دوار “الوطا” في كفرنبل بريف إدلب عشرات المحلات المرصوفة، آلاف الأشخاص المارين بشكل يومي للحصول على حاجياتهم، ومئات المشاهد لديمومة الحياة. خميس كل أسبوع يتحول الشارع إلى خلية نحلّ، الباعة من مختلف القرى والبلدات المجاورة يفترشون أرضه لعرض بضائعهم في يوم “البازار”، في الجانب الأيسر بسطات لا تعدّ من ألبسة الأطفال، يقابها بائعو الوسائد والقماش، ومن بين أطراف السوق تفوح رائحة “البهارات”، وعلى زاويته بائع الورد الذي يضفي على مدخل السوق بألوان زهوره حضوراً عرائسياً.

في نهاية الشارع وعند مسجد “العقبة” ملتقى للأصدقاء، قبل الولوج في عالم السوق وأشيائه، ليبدؤون جولتهم بتقليب “ألبسة البالة” علّ فيها ما يحمل الفرح لأطفالهم، بعد جحيم الأسعار المخيم على المنطقة.

دقيقة واحدة فصلت بين متعة السوق والموت، بدا المشهد غرائبياً، صواريخ الراجمة تسقط فوق الرؤوس، الحصيلة التي عرفتها لاحقاً كانت سبعة عشر شهيداً وأكثر من أربعين جريحاً، أما ما شهدته أنا فكان انهياراً للحياة، بكاء وأطفال يركضون وغبار وأصوات تكبير في المآذن، وتداخل بين بسطات السوق وأشلاء الضحايا، والكثير من الصمت والضجيج معاً.

بالقرب مني كانت سيدة بثياب مغبرة تبحث بيد مرتجفة عن اسم في هاتفها المحمول، حاولت مراراً دون جدوى، أسندت رأسها على الجدار وانتظرت بعض القوة تهبط عليها من مكان ما لتخبر أطفالها بنجاتها، أو ربما لتطمئن على نفسها بأن صوتها لا يزال حاضراً في الحياة.

طفلة في الرابعة عشر من عمرها كانت تنظر إلى جدّتها التي اخترقت شظية وجهها المضيء، قلت في نفسي، إنها عاشت تسع سنوات من الرعب والقصف، ما الذي تبقى من قلبها، حاولت أن تحمل جدتها بكل ما أوتيت من قوة، لم تحركها قيد أنملة، التقطت يدها وهي محمولة من قبل المسعفين الذي عجّ بهم المكان، دم الجدة كان قد التصق بيدها، دمدمت بكلمات لم أستطع سماعها وصمتت، جالت بنظرها في أرجاء المكان كغريب يبحث عن لافتة أو طريق، ثم افترشت وحيدةً أرض السوق تفرك الدم بيديها.

من المنزل المجاور صرخت أم حميد وهي تخرج إلى الشارع، عرفت اسمها بعد أن فشل معظم من يعرفها بتهدئتها، كانت تمسك بكل من تلتقيه في طريقها، تسأله أن يحضر لها طفلها، خارت قواها وهي تركض حول نفسها، لتسقط أخيراً على زاوية الطريق “جيبولي حميد، بدون أجرين بدون إيدين بس جيبوه، لا تقولو أنو مات”.

في المساء كانت جنازة مهيبة تخترق السوق من منزل أم حميد، بعد أن قتلت القذائف سوق المدينة وشبابها.