يتجنب الطفل أحمد (6 سنوات) المرور بالشوارع الرئيسية المحاذية للمخيم الذي يسكنه منذ نزوحه إلى قرية ترملا بريف إدلب مع والدته وإخوته الخمسة من قرية كرناز بريف حماه، يحاول تجميع مفرداته ليخبرنا بكلمات غير مفهومة تترجمها لنا والدته “إن صاروخاً سيحرق خيمته وإخوته”، تقول والدة الطفل ذي الخمس سنوات “إن أصوات السيارات المسرعة تثير رعب طفلها، لما شهده من قصف خلال وجوده في القرية قبل نزوحهم”.

يحفظ أحمد كغيره من الأطفال السوريين في مثل سنه مفردات قاسية، يطلقها دون ربط واصفاً ما يمر أمامه بـ “السيخوي –المروحية –العنقودي –أرض أرض –قذيفة –مات”، تقول والدته إن مفردات الحرب التي يتناقلها الكبار أصبحت جزء من لغة أطفالها اليومية، كما باتت مصدر خوف يوقظهم من أحلامهم على شكل كوابيس “غالباً ما أراهم يرتجفون وهم نيام، أو يخفون تعابير وجههم أو يلتصقون بي عند سماعهم لأي صوت”، مؤكدة أن الأهالي أمام تحدّ كبير لإفراغ ذاكرة أطفالهم من لغة الحرب وآثارها، وإن هذا الأمر يتطلب جهوداً متضافرة من المنظمات الإنسانية والأهالي.
أسامة ليس بأفضل حال من أحمد، إلا أن مفرداته الواضحة أخذت شكل جمل متكاملة وهو يحكي لنا قصة يرددها على مسامع كل من يلتقيه “الطيارة بالجو انتبهوا، نفّذ نفّذ، ألغام بحرية”، ويقفل حديثه “الحربي نفذ الله يحميكون، الكل على الملاجئ”.

لا تترابط القصة التي يخبرنا بها أسامة، إلّا أنها ما يحفظه من قبضة اللاسلكي وصوت المراصد، يغير في ترتيب الأحداث، حتى باتت قصة يرويها خلاف ما كان الأطفال في مثل سنه يحفظون من قصص لـ “ليلى والذئب وساندريلا وأغاني عن الأم والفرح والحيوانات”.

على هاتف والدته المحمول يعيد محمد (أربع سنوات) ما يُخيّل له لطفل يقاربه بالسن عن صورة لأحد مصابي القصف في كفرنبل، يخبره “هادا أنا وقت كنت شهيد!”، ليكمل صديقه رواية القصة “بعرف الشظية عملت فيك هيك”.

أما أم يامن (وافدة من داريا بريف دمشق) فقالت إن طفلها الأصغر حديث الكلام “كلما أراد التعبير عن شيء ما، يقول مات”، بينما تلاحظ مفردات “العنف ومرادفاتها” تسيطر على أبنائها الأكبر سناً، محاولة تهذيب هذه المفردات والحدّ منها دون جدوى، تقول “إن ظروف الحرب والحصار والخوف وكلام الأهالي أمام أبنائهم حول مفرداتها التي صارت ديدنهم جميعاً، انعكست على حياة لأطفال وتعابيرهم وسلوكهم، ودخلت في تكوينهم الشخصي وحياتهم”.

وردة السلطان (مسؤولة قسم رياض الأطفال في تجمع لإيواء النازحين في معرة حرمة) تنقل لنا عبر مشاهداتها في عملها “إن معظم الأغاني التي يحفظها الأطفال تميل إلى وداع الشهداء، والحديث عن البرد والجوع والخيام والنزوح”، وتستشهد على سبيل المثال بأغنية متداولة على ألسنة أطفال المخيم تقول “نحنا أطفال الشام/ شوفوا شو صاير فينا/ قتل وتشريد وخوف/ رعب مسيطر علينا/ حسوا يا عالم فينا”، وترى أنه “من الواجب التخلي والابتعاد عن ألفاظ ومصطلحات الحرب التي تتغلغل في التكوين اللفظي للأطفال”.

أم أيمن من ريف إدلب تقول إن أغنية “سوريا يا سوريا/ أرض الشام الأبية/ ولله لنحرر أرضك من كل المجرمينا. هجموا الغزاة علينا من حزب الشياطينا/ وين النخوة العربية وأخوتنا المسلمينا”، هي أكثر ما تسمعه من أطفال الحي الذي تقطنه، مؤكدة أن مفردات كثيرة تنتمي لبيئة الحرب تسيطر على حياة الأطفال وألعابهم ونقاشاتهم كالدعاء “بسقوط صاروخ أو قذيفة تفقد الشخص المعتدي عليهم لحياته”، وتمني “الموت لهم”، وأحياناً وعلى سبيل الامتعاض “أن تأتيه قذيفة تريح هذا الطفل من أعباء الحياة”، مندهشة من قدرة أولئك الأطفال على التقاط هذه المفردات واستخدامها في حياتهم اليومية!

بات استخدام هذه المصطلحات أمراً اعتيادياً ومألوفاً عند الكثيرين، بالرغم من خطورته، تقول سلوى زيدان (مدرسة لغة عربية في ترملا) التي لاحظت ميول الأطفال عند استخدام الجمل التعبيرية لمفردات مرتبطة بالحرب إضافة إلى تمثلها سلوكياً من خلال العنف والتمرد.

من جهتها تقول الطبيبة سهام علي (أخصائية في علم الاجتماع) “إن برامج الدعم النفسي وحماية الطفل ضرورية جداً لعلاج الآثار السلبية التي خلفتها الحرب على الأطفال، مثل دخول التعابير العنيفة في تكوينهم اللفظي ومظاهر التوتر السام والقلق”، وترى أنه من المفترض “أن تكون هذه البرامج بشكل أوسع وتغطي جميع المناطق ولا تقتصر على المدن الكبيرة، وذلك أن غيابها ستظهر تأثيراته بشكل جلي على أطفالنا مستقبلاً”، متمنية على المؤسسات والمنظمات الإنسانية “الاهتمام بهذه المشاريع بشكل أفضل للوصول إلى نتائج تساعد في تطور اللغة والخيال لدى الأطفال في سنوات تكوينهم”.