فرضت التكنولوجيا نفسها في حياتنا خلال السنوات الماضية، فلم يعد بإمكان الكثير منا الاستغناء عنها، لتكون تطبيقات التواصل الاجتماعي أحد الوسائل التي باتت جزءاً من حياة السوريين الذين وجدوا فيها متنفساً للتواصل وتبادل الصور والفيديوهات، فضلاً عن تحولها لمصدر هام للأخبار، لكنها في المقابل لم تخلو من سلبياتٍ كثيرة.

تطبيقات التواصل الاجتماعي باتت متاحةً بأيدي الجميع (الكبير والصغير)، فمجرد أن تفتح جهاز شخص ما، ستجد عليه تطبيقات الــ فيسبوك وواتس آب وانستجرام وتويتر وسناب شات والسكايب والإيمو وغيرها الكثير، وإن لم تجد كل تلك التطبيقات، فعلى الأقل ستلاحظ على الهواتف الذكية لأغلب الناس الفيس والواتس.

موقع الفيسبوك تربع على عرش تلك المواقع، وبات يحظى بقاعدة المستخدمين الأقوى على مستوى العالم والوطن العربي، (بلغت نسبة مستخدميه في 22 دولة عربية حوالي 90 مليون مستخدماً)، وبالتالي لعب الدور الأكبر في صهر الحدود بين المستخدمين، وإدخالهم في دائرة صغيرة، ظن الغالبية أنها تصلح لبناء جسور اجتماعية حقيقية فيما بينهم، لكن السلبيات فاقت الإيجابيات.

من عدوٍ الى صديق

فرضت مواقع التواصل الاجتماعي نفسها على المجتمع السوري، لدرجة أن كبار السن الذين كانت التكنولوجيا من ألد أعدائهم، أصبحت صديقاً لهم، فأصبح من الطبيعي أن ترى الجد والجدة يلبسون نظاراتهم ويمسكون هواتفهم المحمولة ويتنقّلون بين برامج الدردشة وتطبيقات التواصل الاجتماعي.

وقال أبو أيمن صيبعة (67 عاماً) من سكان مدينة ادلب: “لم أكن أتخيل في يومٍ ما أن يصبح الموبايل صديقاً مرافقاً لي في أغلب الأوقات، فقد كنت سابقاً ألوم أبنائي لشدة تعلّقهم بهذه الأجهزة وتضييع وقتهم عليها، لكن بعد لجوء أولادي الى أوروبا وبقائي وحيداً مع زوجتي، وجدت ضالتي في التواصل الدائم مع أولادي وأقربائي ومتابعة أخبارهم عبر الواتس والفيس بوك”.

وأضاف أبو أيمن لفوكس حلب، “بعد سفر أولادي كنت أتواصل معهم في البداية عبر الرد على اتصالاتهم فقط، لكن مع الوقت أقنعوني بأن أتعلم كيفية الدردشة والتصفح وإرسال مقاطع الصوت والصور والفيديوهات، وكتابة منشورات على الفيس والإعجاب والتعليق على منشورات الأصدقاء، فواجهت صعوبةً في البداية، لكن مع المحاولة تعلمت وبدأت أجد متعةً في استخدام مواقع التواصل”.

الحاج أبو أيمن صيبعة 67 عاماً من سكان مدينة ادلب.
الحاج أبو أيمن صيبعة 67 عاماً من سكان مدينة ادلب.

وترى دراسة كندية أن التكنولوجيا وبرامج التواصل الاجتماعي هي سبب أساسي في التقليل من حالات الاكتئاب لدى كبار السن، فتواصلهم اليومي مع أحفادهم وأبنائهم يُنسيهم مرارة غربتهم ويُخفف عنهم الكثير، ويضفي على حياتهم شيئاً من الألفة.

ورغم أهمية التكنولوجيا لكبار السن، إلا أن أغلبهم يجد صعوبةً في تعلمها، ومنهم أم عامر دسوقي (70 عاماً) من بلدة دارة عزة بريف حلب الغربي، تشرح معاناتها قائلةً “لم أحبذ برامج الدردشة كوني لا أجيد القراءة، لذلك اعتمد على ابنتي كل مرة كي تفتح الواتس وترسل لي الرسائل ومقاطع الصوت”.

وأضافت أم عامر “لكن المشكلة أن ابنتي موظفة وليست كل الوقت معي، لذلك علمتني طريقة تسهّل عليّ استخدام برامج التواصل الاجتماعي، فحفظت أن اللون الأزرق يعني برنامج (الفيس بوك) كي أشاهد صور أبنائي وأحفادي، واللون الأخضر (الواتس آب) لتسجيل الصوت، في البداية كنت أرسل التسجيلات بشكل عشوائي دون أن أعرف لمن أرسل، بعدها أصبحت أميّز المحادثات وأرسل مقاطع الصوت بشكل محدد”.

وتابعت أم عامر قائلةً: “ساعدتني ابنتي في ايجاد طريقة لمعرفة أسماء المتصلين بي أو من أود أن أرسل لهم تسجيلات صوتية، لذا حفظت لي اسم ابني الكبير بنجمة ورمزاً لرجل بشوارب، وابني الثاني بنجمتين مع رمز رجل بشوارب، أم ابنتي الكبيرة فوضعت الى جانب اسمها رمز وجه فتاة، وابنتي الأصغر حفظت إلى جانب اسمها رمز وجه فتاتين، وهكذا أصبحت قادرةً على تمييز أسماء من يتصل بي”.

رموز وكلمات مفخخة

استخدام مواقع التواصل الاجتماعي جرّ معه مشاكل كثيرة بين الأصدقاء والأقارب لم تكن مألوفةً من قبل، فعلى سبيل المثال قديماً كان يُوصف الشخص قليل الكلام والتواصل مع الآخرين بالمتكبّر، وربما من خلال استقراء ملامح وجهه العابسة، أما اليوم فإن عدم أو تأخر قبول طلب الصداقة على الفيس بوك، أو تأخر الرد على رسائل واتساب وباقي التطبيقات، تمنح ذلك الشخص صفة المتكبّر، فضلاً عن صفات سيئة أخرى.

وقالت هبة رحمون من سكان أريحا “أرسَلت لي صديقتي القديمة طلب صداقةٍ على الفيس بوك، لكن لم أنتبه الى إلإشعار الخاص بإرسال الطلب، وبعد عدة أيام قامت صديقتي بإلغاء الطلب، ونعتتني بصفاتٍ أقلها التكبّر، وأخذت موقفاً مني دون أن تدرك أني لم أتقصّد عدم قبول طلب صداقتها، وكأني ارتكبت خطأ فادحاً بحقها”.

بعض الرموز والإشارات التي ترافق تطبيقات التواصل الاجتماعي خلقت بلبلةً ومشاكل لدى الناس، وحول ذلك تقول غادة من ريف إدلب: “مواقع التواصل باتت بوابةً للمشاكل والإحراجات، فمثلاً حين أعمل إعجاب (لايك) على صورة لأحد من أصدقائي في الجامعة فهذا يعني أني معجبة بصورته أو حالته وليس به كشخص، فهناك البعض يعتبر اللايك من قبل الفتاة للشاب يعني أنها معجبةٌ به، ويبدأ حينها بالتودد والتقرّب منها وإرسال عبارات الحب ظناً منه أنها تحبه”.

البعض وقع في هوس استخدام الرموز التعبيرية المرفقة بتطبيقات التواصل بديلاً للأحاسيس الواقعية، فمثلاً، للتعبير عن الحب تُرسل للآخر قلباً أحمر، أو وردة للتعبير عن الامتنان أو الشوق، أو وجهاً ضاحكاً للتعبير عن المرح والسعادة، بينما يعبّر الوجه الأحمر عن الاستياء والغضب، تقول غادة: إن “استخدام تلك الرموز أو الوجوه، ينقل إحساساً افتراضياً بدلاً عن الحقيقي، لكن الناس مع ذلك باتت تتفاعل معها، فتضحك مع الوجه الضاحك الذي يُرسل لها، وتشعر بالأسى مع استقبالها رمز وجه حزين أو باكٍ”.

كما قد تعطي الأجوبة المنقوصة شعوراً لدى المرسل بغضب المتلقي، أو تقلّب مزاجه، تقول غادة “أصبح من السهل أن أستقرئ شعور الطرف الآخر وحالته المزاجية من خلال ردوده المكتوبة، فإن أجاب بشكل مقتضب عن سؤال (كيفك؟)، فإنه يثير تساؤلي، هل هو منزعج أم متعب؟، بينما إن كان الجواب مستفيضاً، فهذا يعني حتماً أنه راضٍ ومزاجه معتدل”.

ولا تعد الرموز التعبيرية فقط من تتحكم بالشعور الافتراضي، بل هناك عبارات يعتمدها المستخدمون، تلعب دوراً في تحديد شعور المتلقي، وفي هذا الإطار قال الشاب يحيى حريري من مدينة إدلب “لديّ صديق عاش قصة حبٍ استمرت لأكثر من عامين من جانبه، وذلك فقط لأن إحدى الفتيات التي تعرّف عليها على الفيس بوك قالت له خلال الدردشة كلمة (تسلملي)، فمن المفروض كما بات متعارفاً عليه بين بعض روّاد الدردشة، أن تكتفي الفتاة بقول كلمة (تسلم) فقط، للتعبير عن الامتنان والشكر وليس تسلملي”.

وأضاف حريري أن “التحدث بصيغة المفرد أو الجمع له دور في إرسال تعابير معينة للطرف الآخر، فالتحدث بصيغة الجماعة يعطي للحديث طابعاً رسمياً، فيما يبقى الطابع خاصاً عند التحدث بالمفرد، فبات هناك فرق كبير بين أن تقول فتاة لشاب خلال الدردشة (اشتقتلك أو اشتقنالك)، وشتان ما بين: (مسا الخير ويسعدلي هالمسا)”.

أصدقاء اليوم ليسوا كالأمس

الأصدقاء الذين كنا نعرفهم على أرض الواقع ونتبادل اللقاءات معهم ونشاركهم أفراحهم وأحزانهم وجهاً لوجه، باتوا وفق ثورة التكنولوجيا مجرد أصدقاء افتراضيين ربما لا نعرف بعضهم إلا من خلال الاسم والصورة التي يضعونها على حسابهم الشخصي.

حسام المقيم في مدينة معرة النعمان من الناشطين على الفيس بوك يقول “للأسف بات الواقع اليوم يتلخّص بــ (كثير من الأصدقاء قليل من الحب والوفاء)، ففي السابق كان الشخص لديه بضعة أصدقاء مقربين مخلصين له يقابلهم دائماً، أما اليوم أصبح الواقع مختلفاً تماماً، فكثير من مدمني الفيس اليوم لديهم حوالي 5 آلاف شخص، لكن لا يعرفون سوى ربعهم وربما أقل، من تبقى هم مجرد أشخاص افتراضيين أرسلوا له طلب صداقة فوافق عليه دون أن يكون هناك أي معرفة أبداً عنهم”.

وأضاف حسام “المعاملة بالمثل دخلت في وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً، فمن يعمل لي لايك أو تعليق أرد بالمثل على منشوراته، ومن لا يهتم لمنشوراتي، لا أضع أي اعجاب أو تعليق له مهما بلغت جمالية صوره ومنشوراته، وبذلك لم يعد الصديق هو من أراه وأتواصل معه بشكل طبيعي، بل الصديق هو من يضع لي (لايك)، ويدعّم تلك الصداقة الافتراضية بالتعليق أو المشاركة للمنشورات”.

جمعات الصديقات مع بعضهن كما كان سابقاً أخذت شكلاً آخر اليوم في عصر مواقع التواصل الاجتماعي، ففي الماضي كانت النساء تلتقين كل مرة في بيت إحدى الصديقات التي تحضّر لهن أكلات مميزة يستمتعن بمذاقها، أما اليوم فأصبحن يكتفين فقط بمشاهدة تلك الأكلات على الفيس بوك والانستجرام، حيث تسارع كل سيدة فور انتهائها من تحضير أكلة معينة إلى تصويرها ونشرها على حساباتها الشخصية، والتفاخر بها أمام صديقاتها.

خطر محدق يتربص بالجميع

وفي ضوء ما سبق يبقى السؤال الأهم، هل مواقع التواصل الاجتماعي فعلاً فككت المجتمع السوري أم عززت الروابط؟

ترى الاختصاصية الاجتماعية مها التيناوي، أن “مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت إلى حدٍ كبير في تفكيك المجتمعات العربية عامةً، وليس فقط المجتمع السوري، من خلال سوء الاستخدام وعدم الفهم الحقيقي لهذه الوسائل والغاية منها”.

وأضافت التيناوي لفوكس حلب أنه “رغم بعض الإيجابيات لمواقع التواصل خلال فترة الحرب، والتي سهّلت السبل في الاطمئنان بين السوريين رغم بعد المسافات بينهم في ظل النزوح والهجرة، إلا أن سلبياتها كانت أكبر لاسيما على الجيل الناشئ، حيث أبعدت الأطفال عن ذويهم، وبات مصدر كل معلومة هو النت والأصدقاء الافتراضيين على الفيس وتويتر، وهذا ساهم في فقدان شيء من المصداقية والثقة بين الأهل والأبناء، ما أدى إلى التفكك الأسري والانعزال عن الأسرة وقتل الحميمية التي كانت تمتاز بها العلاقات الأسرية في مجتمعاتنا سابقاً”.

وتابعت التيناوي قائلةً: إن “قضاء الشخص معظم الوقت على النت ومواقع التواصل يؤدي الى الإدمان، فالمدمن يصبح الهاتف بالنسبة له محور الاهتمام الأول، وفي كل دقيقة يتفقد من أرسل له أو من نشر بوست جديد، أو عندما يكون بين جمع من الأهل أو الأصدقاء يتحدثون بموضوع ما بينما هو غارق في هاتفه، لا بل أن من يدمنون على تلك المواقع يهملون حتى دراستهم وعملهم وصحتهم، كون ذلك الإدمان يسبب مشاكل صحية في البصر والعمود الفقري والرقبة، فضلاً عن السمنة نتيجة قلة الحركة”.

تأثيرات مواقع التواصل الاجتماعي تشمل الجوانب النفسية، كإصابة الشخص بالتوحد والانعزال والاكتئاب والانفصال عن الواقع، نتيجة الابتعاد بالخيال عما هو موجود بالواقع، والشعور باضطرابات وقلق وصعوبة في النوم والتركيز، إضافةً إلى تأثيرات على الجانب الاجتماعي كالتفكك الأسري وزيادة البعد والجفاء بين أفراد الأسرة، وهشاشة العلاقات الاجتماعية، وزيادة أو نمو النفاق الاجتماعي وتوسع دائرة الكذب، فضلاً عن انتهاك خصوصية المستخدمين، وفق ما ذكرت التيناوي.

وترى مها التيناوي أن “إدمان مواقع التواصل الاجتماعي هو كأي ادمان، وللتخلص من تلك الحالة السلبية لابد أن يُجبر المدمن نفسه على عدم استخدام الانترنت طيلة أيام الأسبوع، والاقتصار على عطلة نهاية الأسبوع، أو أن يقلل الوقت المستخدم في اليوم والاقتصار على الأشياء المهمة، وأن يضع قيوداً لاستخدام تطبيقات التواصل، كأن يستخدمها مثلاً قبل الذهاب للعمل بساعة كي يُجبر نفسه على الإغلاق، وأن يندمج مع الآخرين وينشغل معهم بحوارات، وفي بعض الأحيان قد يحتاج الشخص إلى طبيب إذا كان هناك إفراط في استخدامه مواقع التواصل”.

في المقابل قال الصحفي مناف السيد إن “خطورة مواقع التواصل الاجتماعي في سوريا زادت خلال السنوات الماضية، كونها تحوّلت الى مصدرٍ للحصول على الأخبار دون التأكد من مدى مصداقيتها، وهذا دفع بعض الناس الى اتخاذ قرار بناءً على تلك المعلومات التي حصلوا عليها، فخلال حملة النظام على ريف إدلب الشرقي العام الماضي، قرأ بعض السكان خبراً تداوله ناشطون على صفحات الفيس بوك، عن وصول قوات النظام إلى مشارف مدينة سراقب ما دفعهم الى النزوح فوراً، ليتبيّن لهم لاحقاً بعد أن تشرّدوا في العراء أن الخبر عارٍ من الصحة”.

وأضاف السيد أنه “يمكن لأي شخص إنشاء عدد غير محدود من الصفحات والحسابات الوهمية وتحت أسماء يتم اختيارها وفق الفئة الجماهيرية المراد التوجه إليها، ليبدأ بنشر أخبار دون التأكد من صحتها ليسارع أغلب الناس لتصديقها، فكثيراً ما تسأل شخصاً ما عن مصدر معلومته ليسرع ويقول: قرأتها على الفيسبوك ويدافع عنها وكأنها أصبحت حقيقة لا تقبل الشك”.

وختم السيد قائلاً: “مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت سلاحاً ذو حدين بيد السوريين، فهي وسيلة إيجابية لتنمية الفكر والوعي وتشكيل كتلة رأي عام ضاغط في اتجاه ما، لكن بنفس الوقت هي وسيلة سلبية من خلال ما ينشره بعض الأشخاص من معلومات غير مؤكدة، لذلك لا بد لمن ينشر أخباراً ومعلومات أن يتأكد من مصداقيتها قبل نشرها، وبنفس الوقت على المستخدمين عدم تلقي أي معلومة وإعادة نشرها كي لا يتسببوا بتشويه الحقائق وإثارة بلبلة بين الناس”.

هاني العبد الله