الصورة من ريف إدلب
الصورة من ريف إدلب

تختلف الآراء في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة الإنقاذ (إدلب وريف حماه وحلب) بين من يرى في الضرائب المفروضة من قبل حكومة الإنقاذ حلاً وضرورة بعد تراجع الدعم من المنظمات الإنسانية لقطاعات إنسانية كثيرة، معتمدين بذلك على المقارنة مع جميع دول العالم التي تعتمد على الضرائب في تأمين الميزانيات اللازمة للمؤسسات الخدمية، وبين من يعترض عليها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وانعدام فرص العمل، إلّا أن الجميع يتفق على ضرورة ربط هذه الضرائب بخدمات ملموسة على الأرض لتحسين الواقع الخدمي والصحي والتعليمي، لا أن تكون وسيلة لجباية الأموال دون جدوى.

وتعتبر المعادلة القائلة (الدفع مقابل الحصول على الخدمات) هدفاً سعت إليه الإدارات المتعاقبة على هذه المناطق كـ “الحكومة المؤقتة والمجالس المحلية وأخيراً حكومة الإنقاذ”، إذ بدت الصورة بشكل أوضح إبان استلام الأخيرة لزمام المنطقة بعد سيطرة هيئة تحرير الشام على معظم المناطق والتي تزيد مساحتها عن تسعة آلاف كيلو متر مربع، بموارد ضعيفة تعتمد في جلّها على الزراعة، لتبدأ “الإنقاذ” بفرض ضرائب لترسيم الحافلات ومن ثم الصيدليات، وأخيراً تم فرض ضرائب لترخيص المحلات التجارية والأطعمة والمواد الغذائية، وهو ما قوبل برفض شعبي من قبل الأهالي.

لا يرى الدكتور “أحمد جرك” الذي يشغل منصب وزير الصحة في حكومة الإنقاذ في كلمة “ضريبة” مقاربة للحقيقة، ويفضل استخدام كلمة “رسوم” كبديل عنها، إذ يعتبر أن هذه الرسوم “ضرورة لا بد منها في الوقت الراهن، خاصة مع انقطاع الدعم”، مؤكداً أن هذه الرسوم من شأنها “توفير خدمات كثيرة للمواطنين كالتعليم المجاني والرعاية الصحية وتعبيد الطرقات”.

يحاول الجرك أن يشرح وجهة نظره بمثال واقعي من تجربته الشخصية خلال عمله في أحد المشافي الميدانية بداية الثورة يقول “عند انقطاع الدعم اعتمدنا على دفع مبالغ مالية لقاء الخدمات الصحية غير الإسعافية لتغطية نفقات المشفى”، ويصف هذه التجربة بـ “الجيدة”، والتي ضمنت استمرارية العمل دون توقف خلال تلك الفترة، مشيراً إلى “إمكانية تكرارها في الوقت الحالي”، سواء في القطاع الصحي أو غيره وذلك بـ “فرض رسوم معينة لقاء كل خدمة أساسية، تُقدّر بحسب الخدمة والمنطقة”.

ويعتبر وزير الصحة مشروع ترخيص الصيدليات والرسوم المفروضة ضرورة لتنظيم عمل الصيدليات والتخلص من حالة الفوضى، مؤكداً أن الغرامات تفرض فقط على المتأخرين عن إجراءات الترخيص وبواقع مئتي دولار.

لا يوافق أغلبية السكان على فرض أي نوع من الضرائب على أعمالهم، إذ يصر “أبو محمود” والذي يملك متجراً لبيع المواد الغذائية على رفض هذه الفكرة يقول “نحن لا نعرف الجهة التي تنتهي إليها هذه الأموال التي ندفعها”، إضافة إلى أن المبلغ المفروض عليه وهو ستة عشر ألف ليرة “رقم كبير لترخيص أي متجر” على حد قوله.

من جهته يقول عبد الرزاق الصبيح “رئيس المجلس المحلي لبلدة كفرسجنة بريف إدلب الجنوبي سابقاً” إن الخدمات التي كانت تقدم للمواطنين في السابق مجانية، وتغطي نفقاتها الجهات المانحة، وذلك نظراً لظروف الحياة الاقتصادية لسكان المنطقة والتي لا تسمح بفرض ضرائب عليهم تثقل كاهلهم.

ويرى صبيح إن الضرائب المفروضة اليوم “كبيرة جداً مقابل ما تقدمه الحكومة من خدمات”، وقد لاقت استهجاناً لدى السكان مرده عدم الجدوى من دفعها، فـ “جميع مبالغ الترسيم والترخيص باهظة دون أي مقابل” بحسب قوله.

خلافاً لتجربة المجلس المحلي في كفرسجنة توجد ضرائب سابقة كان سكان المنطقة يدفعونها مقابل الخدمات للمجالس المحلية، وتحديداً في قطاعي المياه والنظافة، إضافة للتعليم الجامعي إذ اعتمدت جامعتا إدلب وحلب الحرة ومنذ تأسيسهما على الرسوم التي يدفعها الطلاب كأقساط فصلية لتغطية أكلافهما التشغيلية ورواتب الكادر التدريسي، تتراوح بين مئة وخمسين دولاراً وحتى أربعمائة دولار لكل فصل بحسب الكلية، وهو ما وصفه الطلبة “بالأقساط المرهقة لمعظم الطلبة”، يقول محمد (طالب في كلية الآداب بجامعة إدلب) إنه يتوجب عليه دفع مئة وخمسين دولار فصلياً، وهو مبلغ “لا يتوفر لطالب بظروفي إلا بشق الأنفس”.

لا يبدو أن الإجراءات التي تتبعها الإنقاذ ومن سبقها من الإدارات المحلية في فرض رسوم معينة قد نجحت. يعتقد “أحمد جرك” وزير الصحة لدى الإنقاذ أن من أهم المؤشرات في نجاح الحكومات هو قدرتها على فرض الرسوم والضرائب بالتزامن مع ارتياح واسع لدى مواطنيها وهذا مالم تصل إليه أي إدارة حتى الآن. في المقابل يقول الرئيس السابق لمحلي كفرسجنة “عبد الرزاق الصبيح” “الفقر الواسع وضعف فرص العمل وعدم ثقة المدنيين بالإدارة الراهنة كلها عراقيل تقف في وجه فكرة فرض الرسوم”.

الضعف الحاصل في قطاع التعليم والصحة وغياب الخدمات الرئيسية كالماء والكهرباء والطرقات السيئة كلها شواهد على إساءة استخدام أموال الضرائب يقول ممدوح (أحد سكان ريف إدلب) “نحن مستعدون لدفع الرسوم المستحقة لكن مقابل الحصول على شيء واقعي وملموس. أما قضية جباية الأموال دون أي مقابل فهذا ما لا يرضاه أحد من السكان. نريد تزفيت الطرقات الرئيسية على الأقل إضافة لتشغيل شبكة المياه الرئيسية وتوفير الكهرباء”.

ويطالب عدد من الأهالي الذين التقيناهم بـ “تخصيص ميزانيات علنية لكل قرية وبلدة ومدينة في المنطقة، في حال الاستمرار بدفع الضرائب من قبل الأهالي”، يقولون “يجب أن نرى أثر هذه الأموال في تحسين حياتنا، وعندها تكون هذه الضرائب محقة، مع دراسة حقيقية لاحتياجات المواطنين وتقدير الظروف الخاصة بالوضع المعيشي في المنطقة”.