“من وقت بعنا الغنمات ما استطعمنا بلبن أو جبن طيب، الموجود بالسوق اليوم ما بيتاكل” تقول الحاجة أم محمد التي اعتادت على صناعة مؤونتها اليومية، طوال السنوات الماضية، من منتجات المواشي التي كانت تربيها في منزلها، إلّا أن ظروف الحرب وغلاء أسعار العلف اضطرتها لبيع ما تملكه من مواشي، والاعتماد على شراء ما تحتاجه من الأسواق التي “لا تقدم بضائع جيدة” بحسب قولها.
تروي أم محمد أن معظم أهالي المنطقة كانوا يربون عدداً من الأغنام والأبقار تكفيهم مؤونتهم، والفائض عنها كان يوضع في محلات السمانة لبيعها، تقول “كانت هذه المنتجات توضع في عبوات من الألمنيوم يطلق عليها الأهالي اسم -الطنجرة- ويكتب اسم الشخص عليها، بعض الذمم كانت تباع مجرد وصولها لشهرة أصحابها بصناعة هذه المواد”.
محلات بيع الألبان والأجبان مهنة موجودة في مناطق مختلفة من الشمال السوري، وبخاصة في التجمعات السكانية ذات الكثافة العددية كمراكز المدن “المعرة وأريحا وكفرنبل” والتي تنتشر فيها عشرات المحال التي يعود عمرها لعشرات السنين، توارث أصحابها المهنة، ويمتازون بخبرة بمعرفة أنواعها ومصادرها.
عامر الخطيب (صاحب أحد هذه المحال) يقول “كان والدي يملك محلاً لبيع الألبان والأجبان، ورثت هذه المهنة عنه، وانا أعمل بها منذ ما يقرب الثلاثين عاماً، كنا في السابق نعتمد طريقة البيع بالجملة فيأتينا اللبن في طناجر نبيع الطنجرة كما هي، شيئا فشيئا تطورت العملية فظهرت الأدوات البلاستيكية الأصغر حجماً، وتحول البيع إلى طريقة البيع بالمفرق حتى أننا نبيع أحيانا بأجزاء الكيلو”.

يقول الخطيب إن تجارة مشتقات الحليب تشهد نشاطاً خلال فصل الربيع وحتى منتصف الصيف، “وهو الوقت الذي تقوم به النساء بإعداد وتحضير المؤن”، وتتنوع المنتجات في هذه الأشهر فتظهر مادة “اللبى” أو كما يطلق عليها الأهالي “الشمندور” لارتباط وجودها بموسم ولادة الأغنام، وتصنع من مادة الصمغة “وهي حليب الغنمة الأم في الأسبوع الأول من الولادة”، إضافة إلى صناعة ما يطلق عليه الأهالي “الدبيركة” وهي “طعام يصنع من اللبن بعد غليه وإضافة الملح وتخزينه لاستخدامه في الأشهر التي يغيب فيها اللبن”
تعتمد المحال على ما يردها من منتجات المنازل، بالإضافة الى إنتاج بعض المراكز والمعامل المختصة، يقول حاتم الأخرس صاحب أحد محال بيع الألبان والأجبان في كفرنبل “يعد الجبن واللبن المصنع في المنازل أفضل من حيث الجودة، كون المصنع مهتم بسمعته الشخصية، وهو في الغالب ينتج مادة او مادتين، في حين نجد في المراكز والمصانع تنوعا في الأصناف من القشطة وصولاً إلى الجبن واللبن، وهذا يعطيه مجالا أوسع ليقوم بالتلاعب أحيانا بمكونات المادة، كأن يسحب القشطة من الحليب قبل عملية الترويب أو التجبين”.
تحولت مراكز المدن إلى أسواق تصريف لمنتجات القرى والبلدات المحيطة بها، حيث يلجأ مربو الماشية إلى جلب إنتاجهم اليومي ليبيعوه في أسواقها ومحالها، وتختلف هذه الأسعار بحسب الفصول يقول الأخرس “في الأشهر الأولى من كل عام نشهد فارقاً كبيراً بين سعر منتجات الأغنام والابقار، ومع قدوم الربيع تتضاءل هذه الفوارق فمثلاً ثمن سطل لبن الغنم اليوم 350ليرة سوري والبقر 250ليرة بسعة 3كغ، والجبن بين 700-900 أما اللبى فيصل لحدود 1000ليرة، والقريشة م يقارب 500ليرة للكيلو غرام، أما في باقي الفصول فتتضاعف هذه الأسعار مرة أو اثنتين”.
كما يلعب التجار القادمون من مناطق أخرى كريف حلب، وتجار الجملة الذين يقومون بالتصدير إلى مناطق النظام، دوراً هاماً في تضاعف الأسعار، إذ يقومون بشراء “كل ما تقع عليه أعينهم من منتجات حيوانية بغض النظر عن مصدرها وجودتها” وهو ما يؤدي إلى زيادة في الأسعار وقلة في الجودة بحسب الأخرس.

شعيبيات من إدلب (أنترنت)
شعيبيات من إدلب (أنترنت)

وعن اختلاف الجودة والإتقان في صناعة المنتجات الحيوانية يقول عبد الرحمن الحنيني (صاحب محل حلويات في كفرنبل) إن أصحاب المحلات يقومون، في الغالب، بتصنيع “حشوات” جديدة، بهدف التوفير وليتمكنوا من بيع الحلويات بأسعار تناسب القدرة الشرائية للأهالي، وعن طبيعة هذه “الحشوات” يقول “نقوم بصنع اللبخة أو الحشوة التي نسميها الصناعية بشكل يدوي، وهي عبارة عن مزيج الحليب يخلط بمادة النشاء والسميد ليعطينا مكوناً يشبه اللبى من حيث الشكل ويقاربه من حيث النكهة”، لا يعتبر الحنيني ما يقوم به أصحاب المحلّات “غشّاً”، خاصة وأنهم يوضحون للمشتري مكونات ما يشترونه، ويكمل “لو أردنا أن نضع المواد الأصلية لتجاوزت كلفة قرص الشعيبيات 200 ليرة، إلّا أننا نبيعها اليوم بـ 100 ليرة، نتيجة استخدام المواد الصناعية”.
المشترون لهذه الحلويات، وخاصة الشعيبيات التي تعد الأشهر في مناطق إدلب، وكان يقصدها السكان من محافظات أخرى للتلذذ بطعمها لا يرون بأن الطعم الجديد يقارب ما كانوا يشترونه، تقول أم يوسف “إن ما تأكله اليوم يشبه طعم الطباشير من حيث النكهة”، في حين يرى سعيد “أن الناس نسيت الطعم القديم بعد أن تخربت ذائقتهم بطعوم جديدة لا تمت بصلة لما كان يباع سابقاً”، ويكمل “حتى اللبن والجبنة باتت تشبه الحليب المبستر، هي بلا دسم ولا سمنة”.
لا توجد آلية معينة أو مخابر تراقب ما يباع في الأسواق لتتمكن من فرز الصافي منها من المغشوش او الأقل جودة ونقاء بحسب حاتم الأخرس الذي قال إن الأمر متروك لذمة المنتج فهو الوحيد الذي يعلم كيف صنع منتجه.