لا يمكن أن تمر من هذه المدينة دون أن تضحك، لطف أهلها وروحهم المرحة التي تقابلك كيفما اتجهت تجعلك قريباً منهم، تصادقهم. تعيش على طُرَفهم ولكنتهم المحببة. وتسمع الكثير من القصص التي تحفظها بسلاسة دون تعب.

في أحد مخافر الشرطة في العام 2006، صادقت أحد أبنائها، كان دائم الفرح والضحك، أخبرني عن مهنة شرطة المرور الشائعة في المدينة، قال لي إن طبيباً أراد خطبة فتاة من كفرنبل، وعندما ذهب إلى أهلها بادرته والدة الفتاة بسؤال عن عمله، قال لها إنه يدرس في كلية الطب، عندها عاجلته السيدة بسؤال مقصلة “شقد بدك لسا لتصير شرطي مرور؟!”.

منذ تلك الطرفة التي أغلظ صديقي الإيمان بصدقها وواقعيتها وأنا أضحك كلما مرّت ببالي، أو ذكرت أمامي المدينة أو طالعني أحد أخبارها على صفحات التواصل الاجتماعي.

كفرنبل بريف إدلب الجنوبي كانت واحدة من أوائل المدن الثائرة، وقدّم طالب الطب فيها والذي اغتيل منذ أشهر رائد الفارس ورفاقه أنموذجاً من الهتافات واللافتات، طغت ولفترات طويلة على المشهد السوري الثائر، وتناقلتها وسائل الإعلام، وحاكَتها مظاهرات أخرى في معظم القرى والبلدات الأخرى. يوم قُتل رائد الفارس غيلة، بالرغم من الحزن الذي عمّ معظم السوريين، والقهر الذي ملأ جوفي لموته، كنت أريد أن أسأله “كم بقي لك لتصبح شرطي مرور؟”

في بداية عام 2015، وأثناء عاصفة ثلجية وُلدت طفلتي بعملية قيصرية، ولدت ولم تكتمل رئتاها بعد، في كفرنبل أيضاً، وفي الطابق السفلي من مشفى الأقرع وسط المدينة، كانت الطبيبة القادمة من ريف دمشق تهدئ من روعي وأنا أدور حول نفسي في المشفى، وحين رأيت طفلتي حملَتها الطبيبة بيديها، غنّت لها لتهدأ ثمّ سلمتني إياها لأحضنها وأؤذن في أذنها.

على باب المشفى جلست وأنا أحاول البحث عن بقايا انترنيت أبشر بها والدتي بقدوم حفيدتها الجديدة دون جدوى، بائع الإكسبريس في الدكان المقابل دعاني للدخول، وقدّم لي خط انترنيت، وعندما انتهيت كانت القهوة ساخنة وهو يروي لي حال المدينة والقصف الذي يطالها، طلبت منه الصبر، ودخلت في حديث حول الإيمان والأعمار التي هي بيد الله والأسوة الحسنة، ضحك وهو يخبرني “أن طيارة الميغ عبتاخد حتى الي مو خلصان عمرو”، وأجبرني وقتها على الضحك أيضاً.

بعد سنوات سألت عن الطبيبة الدمشقية، وزوجها الطبيب “الكفرنبالي” بلهجة أهل المدينة، قالوا إنه “قتل بقصف على مشفى الأورينت”، انتابني شعور بالصمت، ثم لاح في رأسي السؤال ذاته “لو كان شرطي مرور لما قتل في المشفى”.

عند عودتي من المشفى برفقة زوجتي وصغيرتي كان الثلج قد تجاوز نصف متر من الأرض، سائق السيارة المسنّ قال إنه “لا يعمل في هذا الجوّ سوى مجنون”. نظرت إليه بحذر، خجلي من عمره منعني من الإجابة، فأضاف قائلاً “إي أنا مجنون لو ما كنت مجنون باخدك”، ضعنا في الطريق وارتطمت السيارة بحائط مدجنة، وبعد طريق عسرٍ طويل وصلنا ورفض أن يأخذ الأجرة، اكتشفت أنه كان “عابر سبيل مرّ أمام المشفى ورآني، وعرفت منه أنه طبيب مخبري أيضاً، رآى لهفتي فادعى أنه سائق تكسي وفاصلني على السعر طوال الطريق”، قلت في نفسي “لو كان شرطي مرور لما أوصلني إلى وجهتي في هذا المناخ، حيث من المستحيل قيادة السيارة”.

في سوق كفرنبل الذي مررت بها طوال سنة من حياتي عشتها في جبل الزاوية، كان صوت راديو “فريش” يملأ المكان، أسعار المواد والخضار باللهجة المحكية، وتقارير إخبارية بلغة فصحى لا يفهمها إلّا أبناء كفرنبل، كل ما في المدينة يوحي بانغلاقها على نفسها وأهلها، إلّا أنه وللحقيقة كانت تفتح صدرها للعابرين والساكنين والنازحين بمحبة.

بائع الفروج عند الدوار أخبرني أنه “قادم من حلب أيضاً”، وصار يناديني بـ “الحلبي” كلما مررت لشراء بعض أشيائي من عنده، غالباً ما كان ينقص لي من السعر، أما أحمد بائع الجبنة فقد كان يخفي عن الأعين كل يوم سبت “سطلاً من لبن الغنم وكيلوين جبنة غنم للحلبي الذي هو أنا”، وحده بائع “الشعيبيات” كان يقول لي “ما في شعيبيات بلبي، كلو بقريشة”، ويكملها بضحكة وهو يقول “وإذا كنت حلبي يعني”؟ وعند تذوقي لها أجد طعم “اللبى” صافياً فيها يبيعني إياها بسعر “المحشي بالقريشة”.
منذ أيام وكفرنبل تقصف من قبل قوات الأسد، ليست المرة الأولى، ولكنها الأكثر دموية منذ أشهر مضت، عشرات الضحايا والجرحى سقطوا من أبناء المدينة، بينهم أطفال ونساء، مشاهد مؤثرة تناقلتها وسائل الإعلام وصفحات الفيس بوك، وعند سؤالي لصحفية تعيش في كفرنبل وتعمل معنا عن أحوالها، أجابتني “وصلت باريس، بعتلي صور، باريس مأكوسها، ولا تنسى هديتي”.