بائع متجول في مدينة إدلب
بائع متجول في مدينة إدلب

 

ازدادت، في السنتين الأخيرتين، في سوريا ظاهرة الباعة الجوّالين في الطرقات، يمتهنها مسنّون وأطفال أجبرتهم قلة فرص العمل وغياب المعيل على مزاولة هذه المهنة، والتي لا تحتاج إلى “رأس مال كبير”، فكل ما تحتاجه سيارة أو تصميم عربة بثلاث أو أربع عجلات يتجولون بها في الطرقات، منادين على بضائعهم بصوت عالٍ ليتوافد إليهم الزبائن.

وبالرغم من صعوبة المهنة وما تحتاجه من جهد عضلي، وخطورتها وذلك لانعدام الأمن، إلّا أنها باتت عملاً يمارسه مئات الأشخاص، ليبقى السؤال الأهم الذي يرافقهم “هل تؤمن تلك المهنة مصدر دخلً جيد في ظل الارتفاع الكبير للأسعار؟

“حسب السوق منسوق”

يقف لؤي شيخ تلت عند ساحة الساعة في مدينة ادلب، ممسكاً بـ دلوٍ من الماء، يرش بيده على حبات “العوجا” الخضراء الموجودة على عربته كي تبقى نضرةً ويقول: “الحاجة تدفعك أحياناً لمزاولة أي مهنةٍ لكسب لقمة العيش، فأي عملٍ خيرٌ من التسوّل وطلب المساعدة من الآخرين”.

يضيف الشابّ “بعد وفاة أبي إثر قصفٍ على المدينة قبل ثلاثة أعوام أصبحت أنا المعيل، فصرت أعمل على عربةٍ أتجول بها في أرجاء المدينة، أبيع كل مرةٍ منتجاً بحسب الموسم، على مبدأ (حسب السوق منسوق). ففي هذه الأيام يبدأ موسم العوجا أو كما يسميها أهل ادلب (العقّابية) ويزداد الطلب عليها، لذلك أذهب كل صباحٍ الى سوق الهال لأشتري العوجا بسعر الجملة وأبيعها للناس كي أربح بعض المال، لتأمين متطلبات أمي وأخوتي”.

في كل فترة يركّز بعض الباعة الجوّالون على بيع صنفٍ ما، حسب توفره، ففي فترة الشتاء تنتشر عربات “الفول النابت”، حيث يُوضع وعاءٌ كبيرٌ وسط العربة وأسفله موقد غاز، يتم سكب الفول في الوعاء وطهيه جيداً، ويتوافد الزبائن لتناول الفول المسلوق إلى جانب كأس “المرقة” المحضّرة من ماء الفول المسلوق مع عصير الليمون والملح والكمون.

في الشتاء أيضاً تجد أمام أبواب المدارس عرباتٍ صغيرةٍ تبيع السحلب حليب والكعك، حيث يتوافد الطلاب إلى الباعة لشراء كأس سحلب مع قطعة كعكٍ قبل الدخول الى المدرسة، وهناك من يبيع المشروبات الساخنة على آلة “إكس برس” يضعها على عربةٍ أو ضمن سيارةٍ صغيرةٍ يقف بها عند الأماكن المزدحمة.

بائع سحلب في أحد شوارع مدينة حلب
بائع سحلب في أحد شوارع مدينة حلب

وليد الأحمد طفلٌ في الثالثة عشر من عمره، ترك مدرسته بعد أن خُطف والده دون أن يُعرف عنه شيء، ليجد نفسه بائعاً جوالاً على عربةٍ لبيع السحلب، يقول “تتراوح مبيعاتي في اليوم ما بين 500-800 ليرة، وهو مبلغٌ قليلٌ، كما أن بيع السحلب لا يصلح سوى في الشتاء، وبالتالي اضطر في الصيف لبيع الذرة المسلوقة أو أي شيء آخر، ولكن رغم ذلك فإن دخلي في الشهر لا يتجاوز 18 ألف ليرة، وهو مبلغ ضئيل لا يكفي عائلتي، ما اضطر والدتي للعمل في تنظيف المنازل”.

علكة وأزهار ملطخة بالدم

لا تقتصر مصاعب الباعة الجوالين على قلة مردود بيعهم، إلا أنّها تجاوزت ذلك لتكون من أخطر المهن المنتشرة في مناطق المعارضة التي لا تسلم من القصف والفلتان الأمني، إذ يقف هؤلاء في الساحات والأسواق التي تظل دائماً عُرضةً للقصف، وكأنهم يصارعون الموت لتأمين لقمة صغارهم.

أبو محمد، أو بائع “ورد النرجس” كما يسميه سكان مدينة إدلب، اعتاد بيع الأزهار، حيث كان يقف جانب ساحة الساعة في مدينة إدلب، إلا أنه توفي بعد انفجار عبوةٍ ناسفةٍ قرب مكان تواجده، لتتبعثر الأزهار على الأرض وتتلطخ بدماء هذا الرجل الطيب.

كان أبو محمد “بائع ورد النرجس”، الوحيد الذي يُسعد الناس ويُدخل الفرحة إلى قلوبهم، يبيع شتى أنواع الورد، و يُهدي أي شخص مارّ وردة نرجس بدون ثمن ليعود مرة أخرى ويشتري منه، بابتسامة لا تفارق وجهه، يقول من سألناهم عنه، رغم أن عمله كان لا يُدر عليه إلا القليل من المال، إلا أن الناس كانوا يشترون الورد كنوع من التعاطف والمساعدة.

يقول أبو رضا علاء الدين من سكان مدينة إدلب: “حين توفي أبو محمد غابت معه الابتسامة الطيبة وروح التفاؤل التي كان يبثها في المارة، من خلال مظهر الأزهار التي كانت تبهج الجميع، كنا دائماً نتساءل عند سبب ابتسامته رغم أن عمله لا يقدم له سوى بعض المال، ولكن أدركنا بعد وفاته، أنه كان رجلاً مقتنعاً بما قسمه الله له”.

أحد الباعة الجوالين في حي الميدان في دمشق -أنترنيت
أحد الباعة الجوالين في حي الميدان في دمشق -أنترنيت

ولم يكن حظّ الباعة الجوّالين في مناطق المعارضة بأفضل حالاً من مناطق النظام، إذ تتضاعف معاناتهم في ظل الفلتان الأمني الذي شهدته تلك المناطق، وتعرض الباعة المتجولين في الطرقات لمضايقات كثيرة من شبيحة الأسد وصلت لحد القتل.

ففي حزيران 2017 ضجت مدينة حلب بجريمة قتلٍ مروعةٍ، أقدم فيها عنصر من ميليشيات النظام السوري بإطلاق النار على طفلٍ يبلغ من العمر 13عاماً في حي الموغامبو بحلب، فقط لأن الطفل عرض عليه أن يشتري منه “العلكة”.

كما باتت الملاحقة الأمنية وانتشار حواجز النظام، العائق الأكبر أمام كسب لقمة العيش، يقول صاحب أحد عربات بيع الذرة في دمشق: “عملُنا بات أشبه بتحدٍ لواقعٍ مرير وكأننا ننحت في الصخر، فالصعوبات التي تواجهنا عديدة، عناصر النظام يشترون منا دوماً دون دفع أي مبلغ، ولا يستطيع أحدٌ مطالبتهم”.

وأضاف “كما أن حواجز نظام الأسد المنتشرة في دمشق، تطلب في كل مرة مبلغاً من المال عند عبوري بجوارها، ولا يقتصر الأمر على الحواجز فقط، فشرطة البلدية زادت من متاعبنا، إذ تقوم بين حينٍ وآخر بملاحقة أصحاب البسطات الجوّالين ومصادرة عرباتهم وبضائعهم، بحجة عدم الترخيص أو إشغال الرصيف وتشويه المظهر الحضاري، فنضطر لدفع مبلغ من المال لهم كـ رشى للتغاضي عنّا، وفي بعض الأحيان تصرّ الدورية على مصادرة البضاعة ونتكبد خسائر فادحة”.

كما أن آزمة الغاز في مناطق النظام خلال الفترة الماضية، تسببت بعزوف الكثير من أصحاب المهن، ولاسيما الذين يعتمد عملهم على الغاز، يضيف صاحب عربة الذرة في دمشق قائلاً: “وصلت سعر اسطوانة الغاز في السوق السوداء الى 8 آلاف ليرة سورية، وهو ما اضطرني لرفع سعر عرنوس الذرة، وهذا تسبّب في قلة الزبائن، لذلك أفكر في بيع أي شيء على العربة لا يحتاج الى الغاز”.

مهنة عادت للازدهار

ظروف الحرب السورية ساهمت في اندثار بعض المهن، بينما عادت مهن أخرى للازدهار، فمع ارتفاع أسعار البضائع، زاد الإقبال على الأشياء المستعملة كونها أقل سعراً، وهو ما ساهم في انتشار باعة الخردة والقطع المستعملة.

يستقل “أبو الدراويش” سيارته متنقلاً بين شوارع مدينة حلب، منادياً بصوتٍ عالٍ “يلي عندو قطع مستعملة.. خردة عتيقة.. خبز يابس.. بلاستيك مكسور”، ويجلس معه ابنه الصغير ليراقب إذا كان هناك أي زبونٍ يود بيع ما لديه من أشياء مستعملة.

بعد جمع الخردوات والنحاس والبلاستيك والأدوات المستعملة، يقف أبو الدراويش في أحد بازارات مدينة حلب ليبيع القطع المستعملة ويحقق ربحاً منها، ولا تقتصر مبيعاته على الأدوات المستعملة، بل بات يبيع المعونات التي يشتريها من الزبائن والتي يحصلون عليها من المنظمات والجهات الإغاثية والإنسانية.

يقول أبو الدراويش: “الارتفاع الكبير في أسعار الأدوات الكهربائية الجديدة زاد الإقبال على شراء القطع المستعملة، فسعر البراد الجديد لا يقل عن 400 ألف ليرة سورية، بينما أبيعه بحوالي 40 ألف، أي أن سعره أقل بعشرة أضعاف”.

وأضاف أبو الدراويش “هناك كثيرٌ من الناس الذي يقررون بيع أدواتهم المنزلية بداعي السفر فاشتريها منهم بسعرٍ مناسب، كما تعاملت مع صاحب محل لصيانة الأدوات الكهربائية، حيث اشتري في بعض الأحيان قطع تالفة بسعرٍ زهيد أو أجدها في الطرقات، وأقوم بإصلاحها لديه ثم أعود لبيعها في البازارات، التي باتت تعج بالباعة الجوّالين الذين يبيعون الخردة والقطع المستعملة”.

متجر متنقل

غياب فرص العمل دفع بعض الأشخاص الى ابتكار أفكارٍ لتأمين أي عمل يُوفّر مصدر دخل، وكان منهم الحاج ياسين المسطو من سكان أريحا، والذي كان يمتهن تحميل الأثاث والبضائع للزبائن في سيارته، إلا أن عمله تراجع كثيراً وبات بالكاد ينقل حمولةً أو اثنتين في الأسبوع.

تراجُع عمل الحاج ياسين، دفعه للتفكير ببيع السيارة والبحث عن عملٍ آخر، لكن زوجته نصحته بعدم بيعها، خاصةً أنه تقدم في السن ولا يقوى على أي عمل آخر، وطلبت منه أن يُحوّل سيارته الى متجر متنقل، عبر تزويدها بصندوقٍ معدنيٍ كبير يحوي رفوفاً يضع عليها البضائع، ويتنقّل بها بين القرى والبلدات.

بائع متجول في ريف إدلب
بائع متجول في ريف إدلب

يقول الحاج ياسين: “لاقت الفكرة استحساناً لدى الكثير من الناس، فهناك بعض القرى النائية التي قد لا يتوفر فيها بعض المستلزمات التي أبيعها ما يدفعهم الى الشراء من عندي، كما أقف في الأسواق أو بالقرب من المدارس لبيع بضائعي، حيث أحمل في سيارتي مجموعة من المواد الغذائية والمستلزمات المنزلية والإكسسوارات وألعاب الأطفال”.

وأضاف الحاج ياسين، “عملي لا يخلو من الخطورة، فالتنقّل بين القرى قد يعرضني للسلب أو القصف، لكن لقمة العيش بحاجة للتضحية”، مضيفاً “بعض الأشخاص الذين لم يعثروا على عمل اتبعوا طريقتي، لكن بعضهم لم يكن لديه سيارة فابتكروا طريقةً أخرى، حيث صمّم أحد الأشخاص عربةً من ثلاثة دواليب وحوّلها إلى دكان إكسسوارات متنقل، بينما وضع شخص آخر صندوقاً خلف دراجته الهوائية، واستخدمها للتنقّل وبيع ألعاب ومأكولات الأطفال”.

هاني العبد الله