الصفحة الرئيسية سياسة ورأي الساعة الآن.. ذكريات على وقع القذائف

الساعة الآن.. ذكريات على وقع القذائف

لوحة بعنوان
لوحة بعنوان "طوفان" من تصميم الفنان السوري "عمرانوفي" -أنترنيت

منتصف ليلة قبل الأمس

لم يتمكن أحد من النوم، رمايات مدفعية وأخرى صاروخية، مقاتلات حربية دخلت على خط القصف، دائرة القرى المستهدفة اتسعت لتشمل معظم قرى وبلدات إدلب وريفي حماه وحلب الغربي، الحديث النهاري كان عن الربيع، أما الآن فقذائف الفوسفور الحارقة حولت المناخ إلى صيف حار.

العاشرة ليلاً مساء الأمس

صحوت على هزة كبيرة رجّت أركان المنزل، كرجل ممسوس بالجن رحت أتفقد المنزل. لا أضرار داخل البيت. على السطح لم يكن هناك أثر لشظايا أو غبار، تفقدت البيوت المجاورة، لا شيء هناك أيضاً.

في سريري “تطن نغمة مجموعة الواتس آب المخصصة لرصد الطيران”، القذائف تنهمر على سراقب والتي تبعد عشرة كيلو متران عن مكان إقامتي، نوم متقطع أقلقه مرة أخرى صوت قذيفة عنقودية، لم أنتبه للوقت.

الثالثة صباحاً

صوت قذيفة قريبة أخرى، لم أستطع تفقد أرجاء البيت من جديد. في الفيس بوك “دمروا سراقب”، عينا زوجتي الخائفة تراقب ما أقرأ. أضغط بخفة على زر إخفاء المنشور الذي يعرض صوراً مؤلمة لضحايا جدد، قبل أن تدخل في نوبة بكاء.

التاسعة صباحاً

جلسة معتادة في الحارة لشرب القهوة، تكهنات كثيرة لمصير المنطقة، سذاجة، انفعالات، وتحليلا سياسية خارج أروقة السياسة. سأذكر بعضها

أبو أيمن (ثلاثيني لا يميز بين قذيفة الهاون والقنبلة اليدوية) يحتاج دائماً لمن يسعفه بالمرادفات عن الأسماء والدول يقول إنه “ضغط روسي على تركيا لفتح الطريق الدولي”، يستاء “أبو نضال” من تحليلاته معتمداً على سنوات عمر الخمسين في التأفف “هي أسلحة جديدة تجرب في المنطقة من قبل الروس، نحن بالنسبة لهم لسنا أكثر من حقل تجارب”، يمسك شاربه الأبيض المعقوف بأصبعيه، ثم يمسح عليه برقة ونعومة “الروس الآن يجربون قذائف ارتجاجية جديدة، قاتلهم الله، البارحة جربوا صواريخ راجمة جديدة أيضاً، قالوا إنهم نصبوها في قرية أبو دالي ثم انهالت بالحمم على القرى دون رحمة”.

أعرف أن مصادر أخبارهم ما تشيعه وسائل التواصل، كلنا نحتاج إلى رواية نصدقها لنرتاح، ولكننا لا نحتاج إلى الصمت، الصمت يقتلنا ويزيد خوفنا.

العاشرة إلا ربع صباحاً

طيران الاستطلاع يحلق فوق حارتنا، “أقفلوا هواتفكم المحمولة، الطيران يرصد التجمعات”. أكتفي بتحريك يدي.

بعد دقائق

حربي رشاش ينطلق باتجاهنا، يقول رجل المرصد، صاحب نصيحة إغلاق الهواتف يلتفت إلينا منتصراً “صوّرْ، وجاء دور التنفيذ”

دقيقة واحدة حتى العاشرة

الجميع حاول إخفاء علامات الخوف، أبو نضال يجمع فناجين القهوة ويستأذن بالانصراف لبعض الأعمال المنزلية. أبو أيمن يمتطي دراجته النارية بخفة مهرج، تظهر علامات صفراء من الخوف على وجهه، “أتريدون أي شيء من إدلب، سأذهب لشراء بعض الحاجيات”. أنا أحاول أن أشغل نفسي ببناء قن للدجاج بدأته يوم أمس، فيما تتعلق عيني بسماء الطائرات.

الواحدة ظهراً

الهدف بلدة النيرب القريبة من مكان سكني، صوت الصاروخ رافقني منذ خروجه وحتى ارتطامه، كان أشبه بصوت “شخير طويل”، ليصدر بعدها أصوات لعدة انفجارات متتالية، أحمل “مقص الكساح” خاصتي وأتابع تقليم أغصان شجرة السفرجل في حديقة المنزل.. صوت الاتفجارات يأكل رأسي وأشعر بحرارتها في يدي.

خمسون دقيقة أخرى

بدأت رمايات المدفعية الثقيلة، طلبت م زوجتي تجهيز نفسها وطفلتنا للمغادرة، ركبت دراجتي النارية واتجهت لزيارة أقرباء لي في معرة مصرين البعيدة نسبياً عن مرمى النيران.

“كم بت شديد الجبن” أخاطب نفسي بينما شعور عارم بالخوف لا يبارحني. أتذكر السنوات الماضية عندما كانت البراميل تنهار علينا في “داريا” مدينتي القريبة من العاصمة، وكأنها المطر. لم يكن الخوف يعتريني وأنا أشاهدها تنفجر إلى جانبي وأحيانا فوق رأسي، لم أكن وقتها قد تزوجت.

كلما شاهدت صور الضحايا من الأطفال والنساء. أخشى أن يكون أحد أفراد عائلتي الصغيرة هو الضحية القادمة.

الثالثة عصراً

الدقائق تمر بطيئة، الناس مخذولون، لا أطفال في الشوارع ولا حديث في البيوت سوى عن القصف والدمار وعدد الضحايا.

الثامنة مساء

أخلد للنوم

في العاشرة تماماً

صوت انفجار قوي يهزني كما في الليلة الماضية ويقتلع أركان المنزل، أنظر إلى زوجتي وطفلتي النائمتان بقربي، أطمئن أن صوت القذائف لم يوقظهما، أضع الغطاء ليتجاوز وجهي.

أقرر أن أغط في نوم عميق و “ليذهبوا بطائراتهم وقذائفهم إلى الجحيم”.