يتعامل معظم السكان في محافظة إدلب مع موجة الغلاء غير الاعتيادية بما يشبه المقاطعة غير المعلنة. مقاطعة إجبارية فرضتها الأسعار الجديدة التي طالت كل شيء، بما في ذلك “الأساسيات الغذائية، بعد أن أصبح سعر السوق لا يتماشى مع حساب الصندوق، بحسب كثر من أصحاب الدخل المحدود، وهم يشكلون غالبية السكان، ما دفعهم إلى مقاطعة العديد من البضائع والسلع الغذائية، أو تقليص كميات شرائها على أقل تقدير، والتحايل على احتياجاتهم اليومية، وهو ما أدى أيضاً إلى إقفال بعض المحلات التجارية ودكاكين الفاكهة والخضار.

وفي جولة داخل سوق الهال في مدينة إدلب، تفاجئك أسعار الخضراوات الكاوية، يقول أبو سليم “تاجر خضراوات”، وهو ما دفعه إلى تقليص كمية البضاعة المعروضة في محله إلى ما يزيد عن النصف، والاستغناء عن بعض الأنواع منها نهائياً.

بكلمة “لا يوجد” يجيب أبو سليم زبائنه عند سؤاله عن “البرتقال والبصل اليابس والبندورة”، يضرب يديه ببعضهما البعض تعبيراً عن استيائه من حالة الغلاء “البضاعة غالية الثمن، وكثير منها يتلف لعدم قدرة الزبون على شرائها”، يقول أبو سليم إن السبب الرئيسي في ارتفاع الأسعار يعود إلى ارتفاعها في تركيا “المصدر الأول والأهم لمعظم السلع في أسواق المحافظة”.

وتسود أسواق إدلب منذ ما يزيد عن الشهر موجة غلاء شملت اللحوم الحمراء والخضار والفاكهة والأسماك والدجاج، وهو أمر يرجعه أصحاب المحلات إلى تراجع قيمة الليرة السورية من جهة، وموجة الغلاء التي تضرب الأسواق التركية من جهة أخرى، ناهيك عن الظروف المناخية السيئة والصقيع الذي طال المحاصيل التركية، والذي تسبب في ارتفاع أسعارها في الأسواق التركية أيضاً.

وفي الوقت الذي لجأ فيه أبو سليم إلى فكرة المقاطعة الجزئية، أقفل “أبو جاسم” متجره لبيع الأسماك وفضل الجلوس في البيت على الخسارة، على حد قوله، فـ “هذه التجارة لم تعد رابحة بسبب الغلاء، لا أحد يرغب بالشراء بعد أن ارتفع كيلو السمك إلى ما يقارب 2500 ليرة”.

يقول أبو جاسم إنه كان يبيع جميع ما يعرضه من أسماك متنوعة خلال بضع ساعات سابقاً، وإنه حاول إيجاد بعض الحلول مع ارتفاع أسعار أنواع السمك بعرض بعض الأصناف رخيصة الثمن كـ “البوري والمشط والسلّور”، إلا أن أسعارها ارتفعت هي الأخرى فأغلق متجره بانتظار هبوط الأسعار.

أكثر ما يُقلق السكان في المدينة ارتفاع أسعار الخضراوات والدجاج، يقول سعيد (أحد السكان)، وذلك لاعتماد معظم الأسر عليهما في الحياة اليومية “قبل أشهر كانت الحياة أكثر راحة.. بطاطا وبندورة وباذنجان رخيصة الثمن. كيلو الدجاج لم يكن يتجاوز الـ 550 ليرة. اللحم بـ 2000 ليرة. أما اليوم فعليك دفع أكثر من 1500 ليرة (ما يجنيه العامل لقاء عمل يوم كامل) ثمن بضع حبات من الخضار”. قاطع سعيد لحم الضأن منذ الأيام الأولى لارتفاعه مكتفياً بلحم الدجاج، لكن “حتى الفروج طالته الموجة، وتضاعف سعره ليصل إلى 950 ليرة، فقررت مقاطعته أيضاً” يتحدث سعيد.

ظاهرة الغلاء التي تسود المنطقة خلقت نوعاً من عدم الارتياح لدى السكان، اعتاد “أبو عماد” شراء المواد الغذائية بكميات كبيرة تكفيه طوال الشهر. كان هذا قبل ارتفاعها بمعدل 20 بالمائة عن السابق. خلال محادثة سريعة داخل متجر لبيع الغذائيات في إدلب قال الرجل “قضية الغلاء باتت تبعث على الألم. الشعور بأن رزمة الأوراق المالية التي بحوزتك لم تعد تكفي لشراء ما يسد الرمق شعور سيء”، يحمل مشترياته القليلة (10 بيضات، نصف كيلو من السمن، كيلو من السكر، علبتا سردين) يدفع ما بحوزته من نقود، شعور بالمرارة يرافقه ويفسر بطء خطواته وشروده.