الصفحة الرئيسية مجتمع أنا “العانس”

أنا “العانس”

في اليوم العالمي للمرأة، والذي صادف يوم عطلة، وجدت جمانة نفسها وحيدة في الغرفة الباردة. تقلبت في سريرها المرتّب من جهة وحدة، على مضض حاولت النهوض إلى النافذة على الجدار الغربي لتستمتع برائحة شجرة الليمون والورد لكنها فشلت، لتعيد النظر نحو الرفوف الأربعة التي تغص بالكتب، فشلت مرة أخرى بقراءة العناوين من مكانها إلّا أنها أنِست برؤية المزهرية على طرف المكتبة. خزانة الملابس كانت مفتوحة الأبواب والمرآة الكبيرة التي اصطفت بطريقة عشوائية عليها علب المكياج كانت تعكس الضوء على الشهادات العلمية التي نالتها خلال حياتها الدراسية.

بالقرب منها وعلى طرف السرير كانت دميتها التي اختارت لها اسم “غاردينيا” تحفظ كل أسرارها ومحادثاتها اليومية، خاصة تلك المتعلقة بعمرها الذي تجاوز الثلاثين، دون أن تحظى بزواج “فاتها قطاره”، أو أن ترزق بطفلة كانت تتخيل شكلها في كل يوم، وقد اختارت لها اسماً مماثلاً لدميتها، نصفها الآخر الغائب والذي كانت تكابر صاحبة الدمية في كل يوم لإخفاء شعورها تجاهه متظاهرة باللامبالاة، إلّا أن كلّ تفصيل يومي تعيشه كان يخاطبها بصوت خفي “أنت عانس”.

مرّ شريط أيامها الماضية أمام ناظريها بسرعة، حاولت أن تعيد استحضار المشهد المتخيل الذي رافقها خلال السنوات الماضية وهي تحمل الورد يومياً، تقدمه لنفسها كهدية من “فارس أحلامها” الذي تراقصه وتستمتع بحديثه وتجالسه لساعات طوال، قبل أن تخلد للنوم من جديد، إلّا أنها لم تفلح في ذلك.

راودتها فكرة الخروج للمشي في الحارة، إلّا أن وجه جارتها أم عماد والذي بات يشكل كابوساً لها كلما مرّت به أثناء ذهابها إلى المدرسة، منعها من إكمال ما خططت له، أكيد أنها ستجدها مفترشة دكة الباب أما منزلها، وبعد إلقاء التحية ستكرر السؤال القاتل “إيمت بدنا نفرح فيكي”، هذه المرأة لا تكلّ ولا تملّ!

في كل مرة كانت تحاول جمانة تجنب السؤال والمرور سريعاً، كانت تعاجلها بالسؤال ذاته، فيتكسر قلبها كقطع الزجاج، وتلكم دموعها كي لا تظهر ضعفها، لتعيد رسم ابتسامة جافة مكتفية بالحوقلة والنصيب. كثيراً ما رغبت بالإجابة أو حتى بصفع أم عماد إلّا أنها كانت تتراجع عن ذلك مكتفية بالعجز، ولطم نفسها في غرفتها وحيدة، هي التي أمضت ست عشرة سنة، إضافة لسنة دبلوم تجيب عن كافة الأسئلة بإسهاب، تقف عاجزة عن ردّ حشرية نساء الحارة وعرّابتهم أم عماد.

يخطر لها إلقاء اللوم على الحرب التي قتلت وهجرت شبان قريتها، وأن تركُن إلى ما قرأته حول ارتفاع نسب المتأخرات عن الزواج في سوريا، تضحك لما قرأته أن حصة كل أربع فتيات باتت رجلاً واحداً، هي قسمة عادلة إذن، وعلى “الشرع”.

صورة ابن عمها الذي رفضت طلبه للزواج سابقاً، برفقة زوجته وأطفاله صفعتها وفندت نظريتها الجديدة، كانت تريد إكمال دراستها والحصول على شهادة تمكنها من تذليل مصاعب الحياة، “الشهادة سلاح المرأة في مجتمعنا” قالت. رنّ في أذنها اعتراف ابن خالها لها بالحب، استعادة اللحظة وكأنها تحصل الآن، شعرت بالخجل والخوف وأن قلبها بات يدق بسرعة، فكّرت في رفض أولاد عمها لعريسها القادم ووقوفهم في طريقه، هم ينتظرونها لتكمل دراستها لتكون نصيب أحدهم، هكذا كانت نساء أعمامها يلقين الكلام في كل زيارة، قتل الشابان في المعارك الدائرة دون أن يتزوجا، بينما سافر من بقي وتزوج فتاة من عالمه الجديد.

في مدرستها الثانوية التي تعمل بها، كان حديث زميلاتها يدور عن الطبخ والأولاد ومشاكل الزواج و”الحماوات”، تصمت إذ ليس لديها ما تشارك به، جميعهن يهنئنها “نيالك لا عندك هم ولا غم”، تختلط مشاعرها في تلك اللحظة، هل تعبس تبتسم تجيب تصمت، على ماذا يحسدنها؟ على الفراغ الذي تعيشه أم الوجع النفسي وانتقادات الناس، تحاول أن لا تبوح بداخلها خوفاً من إحساس الشفقة الذي سيعتلي وجوههن، أو ربما اتهامها بالغيرة.
في غرفة الصف لا توفر الطالبات جهداً في إطلاق كلماتهن الملغومة لجرح شعورها، الفتيات المخطوبات يرفعن “بنصرهن” في وجهها لتذكيرها عمداً، ويهمسن بصوت خافت، طالما سمعته “عشو شايفة حالا، شو صرلا من الشهادات غير أنها بارت”، بركان في قلبها لو انفجر لأحرق المنشأة التعليمية بأكملها تتجاهله جمانة لإنهاء حصتها الدرسية.

يوم أمس كانت مدعوة إلى زفاف واحدة من زميلاتها، لم تستطع الرفض، سيقال إنها “غيرانة” فاشترت باقة ورد وتوجهت إلى الصالة، شعرت بالعيون التي تراقبها، إحداهن ربتت على كتفها، أخرى أطلقت في وجهها عبارة “يا حرام”، وأخريات رمقنها بنظرة شفقة، ليبعدن أطفالهن عنها، بينما جلست جمانة تحلم من جديد بأنها ستكون هي الأخرى يوماً صاحبة الدعوة والتهاني، توزع الابتسامات كيفما اتفق.

ضمت جمانة دميتها إلى صدرها، وطلبت إليها عدم البوح بمشاعرها لأحد، أي أحد، ثم خلدت إلى النوم من جديد.