بين يوم وليلة تنقلب أحلامك، تعيش تلك المسافة الفاصلة من المجهول، أيّاً كان هذا الحلم والذي ربما لن تستطيع بحال من الأحوال تسميته “حلماً” سوى لتسبغ عليه جزء من خوفك.

السوريون عالقون على الحافة بأحلام مؤجلة، من يعيش في الداخل يحاول جاهداً قطع الحدود للوصول إلى تركيا، عشرات الأشخاص قتلوا في سبيل ذلك الحلم، آلاف الدولارات ضاعت في الطريق، مئات المهربين ومكاتب السفر وإعلانات وسائل التواصل الاجتماعي، وتفنيدات الطريق بين نظامي من المعبر، ومرافق في المكتب الطبي، ومن الخندق، وعلى السور، وفي حلة في نهر، وطريق عسكري، وآخر مضمون كلها خيارات تقذف بنفسها أمامك، كل واحدة منها برقم مالي يزيد أو ينقص، بلا ضمانات، وبلا مستقبل أيضاً.

ما الذي سيفعله السوري حين وصوله إلى تركيا، أين سيعمل، وكيف سيمضي وقته في البحث عن طريقة لدفع فواتير لا تنتهي، بدء من إيجارات البيوت وليس انتهاء بثمن كيس الفحم للتدفئة.

السوريون اللاجئون في تركيا، معظمهم يعيش حالة من عدم الاستقرار، وغياب الحلم أيضاً، مشاريع صغيرة أقيمت على عجل غالباً ما تؤدي إلى استنفاذ ما تبقى من مدخرات، وجوه أصحاب دكاكين السمانة ومحلات بيع الخضار وبعض الأطعمة، سرعانما تتبدل، قلّما وجدت وجهاً واحداً مكرراً لثلاثة أشهر، الجميع يحاول وربما الجميع يفشل أيضاً.

في المعامل والورش التي تضج بالعمالة السورية، لا يكفي ما تحصل عليه شهرياً لبعض حياة، يقولون إن هناك شيء ما غير منطقي هو من يتدبر أمر استمرارهم، أما منطق الورقة والقلم فهو ما نسيه السوريون منذ زمن، هي معادلة تخالف الفيزياء والرياضيات، وإن خضعت لها فستدفعك حتماً للجنون، بعضهم يقول إنه حاول في البداية أن يقسم مدخوله الشهري فوجد أنه يحتاج إلى ضعف المبلغ، على الأقل، للحياة.

نستثني هنا أصحاب رؤوس الأموال الضخمة الذين قدموا إلى تركيا ويعيشون فيها حياة من الرفاهية وهم قلة نظراً للعدد الكبير من فئة (متوسطو وقليلو الدخل)، وبعض الموظفين في المنظمات الإنسانية والذين يتقاضون رواتب متوسطة تكفيهم لتأمين حياة متوسطة.

معظم السوريين في تركيا يحلمون بالسفر إلى أوروبا، آلاف الطلبات المقدمة إلى الأمم المتحدة أو إلى سفارات هذه الدول، ومئات الآلاف من الأشخاص الذين خاطروا بحياتهم وحياة أطفالهم في رحلات أقل ما يقال عنها إنها “مميتة”، على متن “البلم” أو في طرق برية وعرة، أو عبر جوازات سفر مزورة، أيضاً لكل رحلة رقم مالي يزيد أو ينقص، بلا ضمانات، ودون معرفة ما ينتظرهم هناك.

آلاف السوريون، بحسب ما تناقلته وسائل الإعلام، يعتزمون كسر الحدود التركية اليونانية للوصول إلى أوروبا، فيما أسموه “قافلة الأمل”، هم يأملون الحصول على حياة أكثر استقراراً لأبنائهم، ويناشدون المنظمات الإنسانية أن تقف إلى جانبهم للتخلص من الظروف الصعبة التي يعيشونها، والتي في الوقت نفسه يحسدهم عليهم كثر من العائلات في الداخل السوري.

في أوروبا تزداد الأمور ضيقاً، يقول بعض السوريين الذي لجأوا إلى هناك، إجراءات معقدة جديدة، ودعوات عنصرية، ومظاهرات ضد وجودهم، أما عن الاندماج والحصول على عمل، فهو أمر “بعيد الاحتمال في المستوى المنظور”، يضاف إلى ذلك الخوف من إعادتهم إلى سوريا، وعدم حصولهم على ألإقامة الدائمة.

لم يعد الأمر في أوروبا مرتبطاً بالطعام والسكن، هناك هوة كبيرة تلتهم أحلام “الكسالى” أي “نحن” الذين ركنا لراتب شهري ومسكن يكفي لحياة عادية بسيطة، دون أحلام كبيرة، يضاف إليها تراجع كبير في التعاطف الأوروبي مع حالات اللجوء والأعداد الكبيرة للسوريين الذين وصلوا إلى هناك.

بعض السوريين عادوا إلى “حضن الوطن”، بالرغم مما ينتظرهم هناك، ربما كانت المفاضلة خاطئة، إلا أنها أصبحت واقعاً يجب الاعتراف به، ومن مختلف بلدان اللجوء، سواء أوروبا أو تركيا أو لبنان أو الأردن أو غيرها من الدول، في الوقت الذي يخاطبك جميع من يعيش في سوريا (سواء في مناطق النظام أو المعارضة)، عليك أن تبتعد، لم يبق هنا ما يستحق الحياة أو الحلم.