يغيب اليوم، ودون قرار منهم أو إرادة، عشرات الصحفيين إن لم نقل المئات عن المشهد السوري، بعضهم أُصيب بالإحباط واللاجدوى، آخرون وجدوا أنفسهم بعيداً عن الحدث الصحفي لابتعادهم عن المكان، أما النسبة الأكبر منهم فقد خضعوا لشروط الداعم، ذلك أن سوريا لا تحتاج فقط للتوثيق، بل ربما تحتاج وبقوة أكبر للعيش والدفء.

مئات منهم قتلوا في المعارك، حاملين معدّات التصوير، موثقين لحظات موتهم، رسائلهم شوهدت لمرة واحدة ثم غابت كأصحابها وعائلاتهم الذين عركتهم عجلة الحرب، لأب شهيد وبقايا صور وخيام باردة.

لم يتح لمن بقي حيّاً أن يعيش أزمته النفسية كما ينبغي، طغيان الحرب أفقدهم ذلك الوقت الذي يتفقد فيه الإنسان جسده، ليلمس ما بقي منه، فالسوريون لا يجيدون الحديث على أسرّة بيضاء وموسيقا هادئة وطبيب يكتب ملاحظاته، ولعلّ هذا ما يفسّر غياب العيادات النفسية، تلك الأخيرة حظ البلدان الآمنة والفراش الوثير، فلجأوا إلى الكتابة والتدخين تأجيلاً للحزن والصور المخترنة على شكل كوابيس.

ليس لدى الصحفيين السوريين بيوتاً بحدائق خلفية، يمارسون فيها هواية التأمل واستنشاق الهواء النقي، هم فقط يغرقون برسائل الواتس آب والأوراق على مكاتبهم، وأرشيف لصور لم تكتمل، ومقالات لم تبدأ بعد، وذاكرة مثقوبة ينهبون محتوياتها في كل يوم علّهم يكملون أقساطاً وقوائم طويلة من الفواتير وحليب الأطفال والانترنيت.

كما لا يسمح لهم بالتعب، أو مراقبة أطفالهم يكبرون بعيداً عن حكاياتهم، أو حتى الاهتمام بمرضهم وقياس حرارتهم، والتمتع بتسريح شعر طفلاتهم الذي يقيسونه بحجم الصور التي ترسلها الأمهات، جاهدين يحاولون لمسه بأصابعهم، دون جدوى.

مبررات كثيرة تُوقفنا كلما أردنا انتقاد مقالاتهم أو حتى حياتهم، هم خائفون حتى النخاع، ومجبرون على أداء مراسم الكتابة في كل وقت، يستعيرون قوالب جاهزة، يملؤونها بما تبوح به ذاكرتهم، غالباً ما يتجاهلون أخطاء يرتكبونها عن سابق قصد، ليقولوا ما يشعرون به، لا ما تقتضي مهنتهم وحيادهم.

كثر منهم تخلّوا عن الكتابة بعد وصولهم إلى بلاد اللجوء، واكتفوا بالمتابعة من بعيد، وكأن الزمن توقف عندهم في اللحظة التي خرجوا فيها إلى المكان الذي تبدلّت به المصاعب من هموم المعيشة والثورة، إلى تعلم اللغة والحصول على الإقامة والخروج من الكامب وهموم البلديات، هذا لا يسمى اندماجاً بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإنما هو تحايل على الحياة بشكل جديد، ومخاطر أقلّ، مع الركون للراحة والكسل وربما تفقد ما بقي من ذاكرتهم والحفاظ عليها دون استنزافها بالكتابة.
في الفيلم الذي انتشر مؤخراً عن حياة ماري كالفن الصحفية الإنسانة التي قتلت في حي بابا عمرو بسوريا، والتي وثقت جزء من معاناة السوريين وحياتهم، ونقلتها إلى العالم قبل أن تموت، رافق مصطلح “البستنة” البطلة بعد كل مرة كانت تعود فيها من عملها في واحدة من البيئات الخطرة التي غطت أحداثها، من إفريقيا إلى العراق وباكستان وليبيا، الكوابيس التي رافقتها خلال الفيلم، وصور القتلى والجثث والجوع والمعاناة، التأثر الذي ظهر جليّاً في وجهها وبكائها المستمر، والإدمان الذي كان يقودها في كل مرة للعودة إلى هناك، حيث وجدت انسانيتها، حتى بعد فقدانها لعينها، وارتدائها لقطعة قماش أظهرتها بصورة القرصان، والتي زادت من تعلقنا كمشاهدين بصورتها، التي أضاف لها مظهر القرصان هالة من الجمال والكاريزما.

لا أعرف ما إن كان يقصد بمصطلح “البستنة” التقاعد في بيت مريح بحديقة خلفية، وسقاية أحواض الورد واستنشاق الهواء النقي والركون إلى القراءة ومشاهدة الأفلام والموسيقا، أو أن يكون المقصود به الكتابة خلف طاولة وكرسي متحرّك وأنت تشرب النسكافيه وتمارس هوايتك في التدخين والتنظير والأدب، دون الوقوف على حافة الخطر والقضايا الإنسانية والموت وما يرافقها من ألم وقهر، إلّا أن كالفن كما أظهرها الفيلم رفضت تدجين حياتها تحت مصطلح “البستنة” وقُتلت وهي تدافع عن إنسانيتها، وكأنها أدركت الجدوى في حياتها من خلال ما فعلته.

مئات من الصحفيين السوريين عاشوا حياة لامست ما فعلته كالفن، وحاكوا بموتهم موتها، وهم يدافعون عن إنسانيتهم، وتركونا نحن الذين نجونا بأعين وأجساد كاملة، لنختار بين “البستنة” و “الحياة”.