الصفحة الرئيسية سياسة ورأي أربعة مشاهد لأغنية واحدة

أربعة مشاهد لأغنية واحدة

الرجل المسن الذي كان يقود سيارة الأجرة التي ستوصلني من حلب إلى قريتي في ريف إدلب فرض علينا أن نستمع لبعض الأغاني العراقية التي يفضلها، كان يحرك يديه عند نهاية كل مقطع، ويطلق ألفاظاً حماسية متكررة منتشياً باللحن الحزين، كان الزمن بداية 2012، والثورة الوليدة قد وصلت إلى قلوب وحناجر عدد من الشباب، وبات من لزومياتها الاستماع للأغاني التي راجت في تلك الآونة تعبيراً عن القهر والظلم، استأذنت منه بوضع الأغنية التي كنت احتفظ بها على “فلاشة تخصني”، وافق الرجل بامتعاض، قبل أن ينطلق سميح شقير بأغنية “يا حيف”، وتنهمر دموعه على كلماتها التي رافقتنا على طول المسافة.

هناك ردود أفعال لا يمكن استعادتها بالصورة الأولى، ومشاعر يصعب استحضارها وإن تشابهت المواقف، لم يكن الرجل المسن من محبي سميح شقير، كما لم تكن كلمات أغنيته ولغتها المفضلة لديه، ولكنه طلب مني الاحتفاظ بها، لعله كان يريد لقلبه أن ينفض عنه القهر الجاثم عليه منذ سنوات، أو ربما أراد بذلك أن يلجأ إلى فسحة من الحرية التي طال غيابها وانتظارها، كانت المرة الأولى التي تخرج بها الأغاني السياسية من مديح القائد وتمجيده، إلى انتقادات تطاله وتتهمه بالظلم وقتل الأطفال.

في مشهد مقابل، كان واحد من الصحفيين (الموالين للنظام) يدندن بأغنية يا حيف في مكتبه، وضع الأغنية ليستمع لها أمام عدد من رفاقه الذين كانوا ينظرون إليه بفضول، التفت إليهم مبرراً بحديثه أن تعالوا وانظروا إلى طلاب الحرية الجدد كيف يرقصون على ما يدعون أنه ألمهم، واصفاً حركاتهم بـ “الغباء”، ربما أراد الصحفي الذي تحول فيما بعد لواحد من أعتى المدافعين عن النظام حماية ذلك الشعور الذي انتابه وهو يستمع للأغنية، تلك القشعريرة التي افتقدها منذ اختار الوقوف في الخندق الآخر، ورغبته بالتصالح مع ذاته، لا أعرف السبب الذي منعه وقتها، كل ما أذكره أن الأغنية رافقته لوقت طويل وهو يدندها لا شعورياً.

في المشهد الأخير، كان أبناء قريتي قد تحضروا لمظاهرة مسائية، مكبرات الصوت التي صدحت بأغنية “الشقير” هذه المرة، بصوت عالٍ وفضاء مفتوح، طغى عليها صوت المشاركين في المظاهرة، الجميع كان يصرخ، دون خوف أو تورية هذه المرة، محافظين على اللحن والكلمات، فوجئت بالمشهد الذي بدا لي للحظة كلوحة مرسومة بدقة، فريق من الكورال (رجال ونساء وأطفال)، الصوت كان واحداً، والتأثر كان متشابهاً لدرجة التطابق، تشابك الأيدي، وتمايل الرؤوس، خفوت الصوت في أماكن من الأغنية، الاستمتاع بالموسيقا للحظات، ثم الهتاف الواحد الفطري، دون تنسيق مسبق، “الشعب يريد إسقاط النظام”.

على زاوية ساحة القرية، كنت أجلس على “دكة” الدكان، تذكرت وقتها كيف كنا نتبادل شريطاً مسجلاً قديماً للشاعر مظفر النواب، يهجو الحكام العرب، كان الشريط من نوع (سوني أحمر اللون)، الصوت كان ضعيفاً ومشوشاً، كنا نقرب “المسجلة” من أذنينا محاولين فهم الكلمات، نرجع الشريط مرات عديدة ليتسنى لنا ذلك، ونشعر بالفرح كلما فككنا جملة كاملة، قارنت المشهدين للحظة، وشعرت بصوت في داخلي يدعوني للغناء، فقد “آن أوان الحرية”.

المشهد الغائب، منذ سنوات لم أستمع إلى أغنية “يا حيف”، لا أعرف سبباً لتلك المقاطعة، ربما كان الغياب عاماً، حتى مع عودة المظاهرات نهاية العام الماضي والتي خلت جميعها من تلك الأغنية اللازمة التي وحّدت ذاكرتنا. لعلّ الحيف طالنا جميعاً، وبات جزء من حياتنا اليومية ولم نعد نحتاج شقير لتذكيرنا به.