الصفحة الرئيسية تغطية ميدانية تجارة الوهم.. مشترون افتراضيون في أسواق التواصل الاجتماعي

تجارة الوهم.. مشترون افتراضيون في أسواق التواصل الاجتماعي

عش الخفاش -أنترنيت
عش الخفاش -أنترنيت

البحث عن “عشّ الخفاش” كان آخر الصيحات التي طرأت على حياة السوريين، وعززتها مواقع التواصل الاجتماعي من خلال تقديم أسعار خيالية لشرائه، ونسج الكثير من القصص والأساطير التي حيكت حول قدرته واستخدامه في العلاجات الطبية أو لأمور أخرى تتعلق بالسحر والشعوذة.

لم تفلح جهود الشاب أحمد بالوصول إلى عش الخفاش المطلوب، رغم بحثه الدائم في الأماكن التي يفترض وجوده فيها، من المغاور والكهوف الرطبة والمعتمة في جبل الزاوية، والتي استهلكت ساعات طويلة من وقته خلال السنة الماضية، دون جدوى، يقول أحمد “منذ بداية العام الماضي وأنا أبحث عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن الأمكنة المحتملة لوجود عش الخفاش، معلومات كثيرة متناثرة هنا وهناك جمعتها لتحقيق حلمي، فالمبلغ المعروض كثمن له يحل معظم المشكلات الاقتصادية التي أعاني منها، إذ تجاوز السعر 50 ألف دولار، وأحياناً كان يصل حتى 100 ألف دولار”.

عشرات البسطاء ربطوا أحلام يقظتهم بالحصول على عش الخفاش، وبدؤوا رحلة البحث عنه دون معرفة الأسباب التي تمنحه هذا السعر الخيالي، وفيما إن كان يستحق تلك القيمة العالية، وهل فعلاً هناك وجود لضالتهم، أم أنهم يبحثون عن أسطورة أو وهم.

على اليوتيوب مقاطع فيديو وصور تظهر وجود عش الخفاش المطلوب، ليبقى السؤال حول بناء الخفاش لعش مثار تساؤل، خاصة وأنه يعتبر من الثدييات ويتكاثر بالولادة لا بالبيض، ولا يحتاج لبناء عش لفراخه، كما تظهر المقاطع شكلاً بيضوياً مغلقاً مصنوعاً من الطين كشكل للعش، في داخله مادة لزجة لا يعرف ماهيتها وهي ما يظن الناس، بحسب ما نقل لهم من شائعات، أنها المادة المطلوبة والتي تستخدم لعلاج “الجلطات القلبية”، أو لأغراض أخرى كالسحر والشعوذة، ما يكسبها قيمتها المرتفعة.

لم يسمع أحمد بأحد من أبناء المنطقة استطاع الوصول إلى واحد من هذه الأعشاش، لكنه أدمن البحث عنها في كل يوم، يقول إن الفكرة سيطرت عليه وباتت تزوره في أحلامه، مع يقينه بصعوبة الحصول عليه. بينما يرى صديقه محمد عبد الجواد (شريك أحمد والذي أقلع عن البحث عن الأعشاش منذ أشهر) أن الأمر لا يتعدّى كونه “كذبة كبيرة”. لا يعرف محمد سبب نشر بعض الأشخاص وتداولهم لهذه الأكذوبة، إلّا أنه اقتنع بعد بحثه لستة أشهر عن “سراب عش الخفاش” بعدم الجدوى، خاصة أن المشترين المفترضين غالباً ما يضعون شروطاً وصفها بـ “المضحكة والتعجيزية”، كأن يكون العش مغلقاً بالكامل، أو اشتراط حضور المشتري لإزالة العش بنفسه من المكان الموجود فيه، أما أكثرها غرابة وإضحاكاً الشرط القائل بأن يكون العش لـ “أنثى الخفاش في فترة الحيض”!

يحمّل محمد سبب انجراره وغيره من الشبان وراء هذه الشائعة للظروف الاقتصادية السيئة التي يعيشونها، والفراغ الذي خلفته قلة فرص العمل في المنطقة، إضافة لاستغلال بعض الأشخاص لقضية “الطمع والوصول السريع إلى الغنى دون تعب أو جهد” والتي ترافق الشبان اليافعين، معتبراً أن الأمر لا يتعدى كونه “تسلية” من أولئك المشترين المفترضين.

ترافقت شائعة “عش الخفاش” مع شائعة أخرى تحدثت عن حاجة البعض لورقة نقدية من فئة 250 ليرة صادرة عن بنك سوريا ولبنان، وقدمت عروض كبيرة لمن يحصل على الورقة المطلوبة دون وجود أي سبب مقنع لتلك القيمة الخيالية. ويرى أبو عبدو “صراف” أن السعر المرتفع لتلك العملة يعود لتقدير قيمتها بالفرنك الفرنسي في ذلك الوقت، وحفاظ الأوراق النقدية الصادرة عن هذا البنك على نفس القيمة اليوم. لكن ما يؤكده “أبو عبدو” أنه لم يسمع بأي عملية بيع أو شراء لتلك الورقة خلال عمله لفترات طويلة بمجال الصرافة.

بينما يرى البعض أن سبب انتشار تلك الشائعة هو قيام بنك لبنان بإجراء مزاد لبيع أوراق نقدية تخص عدداً من الدول، وتعود لأزمنة مختلفة، وتم بيع قطعة من فئة 250 ليرة بمبلغ تجاوز الـ 25 ألف دولار، مما دفع بعض التجار للإعلان عن استعدادهم لشرائها بمبالغ قد تبدو مرتفعة لدى بائعها، لكنها تبقى أقل بكثير من القيمة الحقيقية التي من الممكن أن تباع بها في مزادات مشابهة. وتبقى مهمة إيجاد تلك العملة من المهمات الصعبة بسبب قلة عددها حيث يقدر عدد القطع المتبقية منها بـ 10 قطع ولأنها كانت تحمل قيمة عالية جداً في ذلك الوقت ومن الصعوبة بمكان إيجادها بين عامة الناس.

ماكينة زينجر - أنترنيت
ماكينة زينجر – أنترنيت

ليس البحث عن عش الخفاش والورقة النقدية الشائعتان الوحيدتان التي تبعها عدد كبير من الشباب السوري، بل سبقتهما شائعات كثيرة كالبحث عن “الزئبق الأحمر” واحتمالية وجوده في بعض الأدوات الكهربائية القديمة مثل “تلفزيون اللمبات” والذي يحتوي في واحدة من مكثفاته على الزئبق الأحمر، ومكنات الخياطة اليدوية من نوع “زينجر” وغيرها من الأدوات التي أنفق كثير من الناس مبالغ كبيرة للحصول على ما بداخلها، وأمضوا أياماً طويلة في البحث للعثور عليها، ليتبين أن الأمر في النهاية لم يكن سوى عملية نصب عبثت بالبسطاء وضعاف النفوس، وتسببت بخسارتهم للمال والجهد، خاصة مع “تلاشي ” المشترين لهذه الأدوات، وخلو هذه القطع من المادة المفترضة.

السؤال الذي يدور بأذهان الجميع اليوم من المسؤول عن بث تلك الشائعات والترويج لها، وهل لانتشارها علاقة بوضع سياسي محدد؟ أم أنها صنيعة تجار احترفوا النصب والاحتيال وهذه إحدى أساليبهم؟