بسترة بيضاء يحملها على يده وحقيبة أدوات طبية يواجه عبد الرحمن عامه الجديد، آملاً أن ينهي دراسته في كلية الطب بعد أن أخرته ظروف الحرب والاعتقال سنوات عن التخرج.

المكان هذه المرة جامعة إدلب الحرة التي التحق بصفوفها بعد خروجه من المعتقل لإكمال دراسته، والوقت كان مشابهاً لليوم الذي داهم فيه الأمن العسكري غرفته في السكن الجامعي بمدينة حلب، ليأخذه برفقة مجموعة من أصدقائه، ليمضي في سجون الأسد أكثر من عشرين شهراً، تركت آثارها وندباتها على جسد الطبيب وروحه.

يحاول عبد الرحمن الوقوف على تفاصيل ذلك اليوم، من نافذة غرفته في السكن الجامعي كانت الأضواء قد ملأت شجيرات الزينة، بعض البيوت هُيأت لاستقبال العام الجديد، بدت لناظريه دافئة ولامعة، يقطع لحظات تأمله صوت مفرقعات نارية، وأحياناً رشقات رصاص مصدرها الحواجز الكثيرة المنتشرة في المدينة. غير ببعيد عن غرفته كانت الأجهزة المحمولة تصدح بالأغاني الاحتفالية. كل شيء بدا طبيعياً وآمناً، تناهى إلى سمعه صوت زغاريد لم يميز مصدرها، إلّا أن ما كان يشغل باله حقاً هو إكمال دراسته والتحضير لامتحان الفصل الأول.

حلمه بالتخرج كطبيب وخوفه من الاعتقال حولاه إلى رجل مسالم، تجاهل خلال دراسته الكلمات النابية والإساءات عند مروره على كل حاجز، هُويته التي تنسبه إلى واحدة من المناطق الثائرة في ريف إدلب كانت دائماً مصدر قلق وإزعاج، وغالباً ما كانت تثير حنق الشبيحة وغريزيتهم الوحشية ليكيلوا له السباب والشتائم، كان دائماً ما يتحلى بالصبر، فسنة واحدة تفصله عن الانعتاق من هذا المكان، وتحقيق حلمه والعودة إلى مكانه، حيث هويته هناك مصدر أمن وفخر لا تهمة وجريمة.

كان رأس السنة من عام 2015 تاريخاً لن يمحى من ذاكرة الشاب، صرنا نؤرخ لحياتنا بالموت والاعتقال والألم والمجازر، حين اقتاد رجال الأمن عبد الرحمن كان يعرف أن ذاكرة أخرى بديلة ستأخذ مكانها بدلاً من مشهدية الزينة والاحتفالات، لم يتح للشاب الذي غدا معتقلاً النظر خلال الرحلة من نافذة عربة الأمن، والتمتع برؤية الشوارع المزينة والمنارة.

يخفي عبد الرحمن تقاسيم وجهه الخائفة، كما يحاول جاهداً إخفاء آثار التعذيب التي تركت ندوبها على وجهه وجسده، بينما تكفلت ملامحه الصامتة بإخفاء ما يعتمل في صدره من ألم الإهانة والذل، حين وصل إلى زنزانته بعد حفلات التعذيب من صعق بالكهرباء وشبح ومنع للطعام والماء وإهانات لفظية كان المكان أشبه بمشرحة، جميع من سبقه من رفاق الزنزانة نالوا ما شهده من التعذيب، لمعت عينا عبد الرحمن لفكرة أنه طالب في كلية الطب، وأن عليه أن يخفف، بقدر معرفته، ألم رفاقه، غير آبه بالعقوبة التي سينالها إن اكتشف أمره، متجاهلاً آلامه الشخصية.

السجانون في الأفرع الأمنية يعرفون مواطن الألم، يخبرنا عبد الرحمن من موقع المختص، كانت ضرباتهم تتركز في الأماكن الأشد إيلاماً من الجسد دون أن تترك أثراً على جريمتهم، فالضرب على “الكلى” والصعق في منطقة الرأس أو العمود الفقري كانت أكثر الأماكن المعرضة للضرب، يرافقها إهمال لحالات المعتقلين الصحية والامتناع عن تقديم العلاج لهم ما يزيد الطين بلة.

في زاوية من الزنزانة كان أبو علي (أحد المعتقلين) يدخل في نوبة شديدة من “الحكة” بعد أن أصابه مرض الجرب، جلده كان قد امتلأ بأكياس منتفخة من القيح، بينما تسلخ قسم من جلده نتيجة الحكة، لم تفلح المناشدات والطلبات المتكررة بتقديم أي علاج لأبي علي، فلا رأفة بالإرهابيين. الماء والملح هما كل ما كان يملكه عبد الرحمن لمساعدة الرجل، استخدمهما كمعقم فـ “الملح يميت خلايا الحشرة”، يقول عبد الرحمن الذي بدأ بقشر الجلد المصاب محاولاً قتل البيوض التي تضعها الحشرة في الجلد، الجرب كان أكثر الأوبئة انتشاراً بسبب قلة النظافة، إذ لا يسمح للمعتقل بالاستحمام والزيارة لتبديل ملابسه، يضاف إلى ذلك رطوبة الزنازين وعدم تعرضها لأشعة الشمس ما يجعلها مكاناً ملائماً لانتشاره، ناهيك عن العدوى التي تصيب جميع المعتقلين، فالزنزانة كانت أشبه بعلبة كبريت يتشارك مساحتها الضيقة عشرات المعتقلين، غالباً ما كانوا لا يجدون فسحة لمد أجسادهم المتعبة على الأرض.

حالة مصطفى 47 عاماً لم تكن أقل خطراً من حالة أبي علي، والذي تعرضت يده لثلاثة كسور إثر تعرضه للضرب. قشر البيض المسلوق والذي كان يقدم مع حبة بطاطا مسلوقة وقطعة من الخبز كغذاء ليوم كامل كانت الحل الذي اجترحه عبد الرحمن للعلاج، كان يطحن القشر مع البطاطا ويقدمه لمصطفى كدواء، آملاً أن يفيد ما تحمله قشرة البيض من أملاح معدنية وكلس ومنغنيز وفوسفور وحديد في علاج الكسر والوقاية من هشاشة العظام، وأحياناً كان يقدم الدواء ذاته لعلاج التهاب المعدة والاسهال الشديد للمعتقلين.

تمرّ ذكرى رأس السنة على عبد الرحمن بعد أن خرج من المعتقل وهو في مدينته المحررة، بعيداً عن الخوف ووجوه الشبيحة وأشجار الزينة، ويقترب حلمه أكثر بتخرجه كطبيب، بينما تعلق في ذاكرته تفاصيل ما شاهده في المعتقلات رافضة أن تغادره.