في رواية جورج أوريل الشهيرة 1984، يحاول ونستون منع نفسه من كتابة مذكراته، ذلك أن هذا ما سيكلفه حياته، أو على الأقل أن يقضي 25 سنة منها في معتقل الأشغال الشاقة، وإن لم يكن هناك نص قانوني بذلك، فشرطة الفكر لا تحتاج إلى أدلة، ولم يفلح أحد سابقاً بالخروج بريئاً من أيدي محققيها، إلّا أن المفكرة التي اشتراها من واحد من الأحياء الشعبية وورقها القديم اللامع أغراه بالكتابة، خاصة أن شعوراً دفيناً بالحنق والحقد وكره النظام القائم يتملكه، ذلك النظام الذي نصب نفسه قيّماً على كل شيء، حتى التاريخ وصياغته، ليجد نفسه يكتب “يسقط الأخ الأكبر” على أكثر من نصف صفحة.

لم يعد هناك فارق بين الحياة والموت، طالما أن شرطة الفكر ستجده، وعلى ونستون أن يملأ الصفحات البيضاء، والتي ربما لن يقرأها أحد، فجدلية بقاء النظام ستجعل من الكتابة فعلاً عبثياً سينتهي في واحد من أفران الحرق، أما الثورة عليه فقد كانت بعيدة جداً، إلى المكان الذي لن يسمح له بمشاهدته، هو أو أحد من أبناء جيله.

مع بداية سنة جديدة في سوريا، وانتهاء عام مليء بالانكسارات والتهجير القسري واليأس الثوري من قبل أبناء الثورة، واختلاط الأوراق الدولية وتقاسم الكعكة الذي يتغير وفقاً لمصالح ثابتة، ربما تنزاح أحياناً لصالح طرف من الأطراف متأثرة بظروف آنية، تأطرت الكتابة بثوب اللاجدوى أو العبثية، وبات الحديث عن المستقبل ضرباً من الخيال، ليحل مكانه نوع من الرضا بالأمر الواقع، أو ربما الاستسلام لما هو مفروض، وأخذت جذوة الثورة بالتراجع وربما انطفأت في أماكن عديدة داخل نفوس السوريين وأماكنهم.

نظرة واحدة إلى الواقع الذي يعيشه السوريون في المناطق الخاضعة لحكم الأسد تكفي لتجد آلاف المشاكل والصعوبات وتردي الحياة المدنية والسياسية والثقافية، ونقص في الخدمات الأساسية التعليمية والصحية والمعاشية، يرافقها فصامٌ إعلامي وحكومي يلهج بالمقارنات، وتشكيل وعي جمعي عن الحياة الهانئة وزيادة دخل الفرد وتوفر الخدمات، كلها محكومة بسلطة الخوف من “الأخ الأكبر وزبانيته”، والذين بدؤوا بكتابة التاريخ كما يحلو لهم، مستشهدين بأقوال وأفعال وتنبؤات تحولت مع الزمن والخوف إلى قناعات يتناقلها السكان كحقائق مطلقة، ويقنعون أنفسهم بها لتترسخ مع الزمن وتشاركهم لغتهم اليومية وفطورهم الصباحي ونقاشاتهم الدائمة.

الثورة وخلال سنواتها منحت السوريين على اختلاف خنادقهم مساحة من الحرية بعيداً عن شرطة الفكر، ففي مناطق سيطرته سمح الأخ الأكبر بجزء منها للتنفيس عن الغضب والحنق، طالت الصف الثاني من المسؤولين في حكومته، وبعض الخدمات الأساسية التي أُلصق فقدانُها بظروف الحرب، أما وأن الحرب انتهت بوجهة نظرهم، والانتصار قد تحقق، فبات لزاماً إعادة إحكام القبضة، والقبض على من كانوا روّداً في “التبييض” للأخ الأكبر زمن الحرب، واجتذاب الناس بحجة محاربة الفساد دون المساس بالخطوط الحمراء الثلاثة (القائد –الجيش –الدول الصديقة)، ليبدأ بتصفية بعضهم من القادة العسكريين ذائعي الصيت، فالنصر كان دائماً بفضل وحكمة الأخ الأكبر، واعتقال الإعلاميين وإيقافهم عن العمل، هذه المرة ومع عودة الخوف تجنب الجميع السؤال عن مصيرهم، سوى بمحاولات خجولة، أكيد أن شرطة الفكر دونت أسماء أصحابها لمحاسبتهم لاحقاً، لينسى ذكرهم وكأنه لم يكن.

أما أبناء الثورة في مناطقهم التي شهدت انحساراً كبيراً في العام الجاري، فقد قاموا بتوثيق ما يحدث، كتبوا ما استطاعوا وجمعوا كثيراً من الحقائق والانتهاكات التي تحولت إلى أرقام تشبه “شاشة الرصد” في رواية أوريل، هذه الأرقام التي تتغير في كل يوم، يقابلها في الجانب الآخر أرقام متشابهة صادرة عن “شاشة رصد النظام” عن عودة الحياة وإعادة الإعمار ودحض “للافتراءات” الكاذبة عن المعتقلين والقتل والشهداء والصواريخ والبراميل المتفجرة.

لا يزال هناك في المناطق الثائرة حتى اليوم، محاولات للكتابة وحكايات التاريخ، والوقوف على الأخطاء ومراجعتها في كل عام، ضمن مساحة من الحرية بدأت تضيق في كثير من الأماكن، بعد ظهور أكثر من أخ أكبر في كل منطقة أو بلدة، محاولين محاكاة سلطة الأخ الأكبر في مناطق النظام، بطريقة أكثر فشلاً وفجاجة، إلّا أن الفارق الوحيد في المناطق المحررة هناك حالة من كسر الصنمية بيد من يحمل القلم والأوراق خارج سلطة شاشة الرصد وإمكانية الاعتقال، في الوقت الذي يستقي فيه سوريو مناطق النظام قناعاتهم من شاشة رصد يطل فيها مايك فغالي للحديث عن المستقبل.