الصفحة الرئيسية تغطية ميدانية المولود الجديد فرحة وراها مية غصّة

المولود الجديد فرحة وراها مية غصّة

محل بيع ديارة أطفال -أنترنيت
محل بيع ديارة أطفال -أنترنيت

 

ملامح الفرح التي رافقت “هدى عودة” المُهجرة من مدينة دوما بعد أن أخبرها الطبيب بحملها الأول بدأت بالانحسار، فبالرغم مما تركه الخبر من أثر جميل في نفسها، وشعورها للمرة الأولى بالأمومة، والأفكار التي راودتها حول الاسم الذي تطلقه على صغيرها التي بدأت بتخيل ملامحه والألبسة التي ستختارها له بعناية، إلّا أن الأكلاف المادية التي سترافق قدومه طغت على فرحها، شعور بالرضا رافقها عند وصولها إلى المنزل بعد أن سكنت روحها لكلام والدتها بأن “الولد بيجي وبتجي رزقتو معو”.

منغصات وعقبات كثيرة تعترض العائلات السورية منذ اللحظة الأولى لمعرفتهم بقدوم المولود الجديد، تقول هدى لفوكس حلب، فسوء الأوضاع الاقتصادية وما يقابله من ارتفاع جنوني في أسعار الأدوية المرافقة للحمل وزيارات الأطباء الدورية إضافة إلى كلفة الولادة وألبسة الأطفال ومستلزماتهم من (حليب وغذاء وحفاضات)، ناهيك عن الطقوس والعادات التي تأتي بعد الولادة، باتت تشكل عبئاً كبيراً أدخل الأسرة السورية في تعقيدات الحسابات اليومية قبل اتخاذ القرار بالإنجاب، أو اجتراح حلول بديلة للتحايل على الظروف القاسية التي يعيشونها.

خلال فترة الحمل

تحتاج الأم الحامل لزيارة طبيبها شهرياً وبشكل دوري، للاطمئنان على صحة الأم والجنين، وتصل كشفية طبيب النسائية حالياً لـ 3 آلاف ليرة سورية، إضافة إلى كلفة التحاليل الطبية اللازمة، وأسعار الأدوية المرتفعة، إذ تحتاج الحامل في الحالة الطبيعية إلى أدوية “الفيتامين” ومضادات الإقياء وحامض الفوليك (في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل)، ومسكنات للألم، وتقدر الكلفة الوسطية لهذه الأدوية بـ (5 آلاف ليرة على الأقل)، كما تحتاج الأم الحامل، في كثير من الأحيان، لأدوية تثبيت الحمل في الأشهر الأخيرة ما يؤدي لمضاعفة المبلغ.

“ديارة” الأطفال والحلول البديلة

مع اقتراب فترة الولادة، تبدأ رحلة شاقة لتأمين ألبسة “الديارة”، والتي قد تكلّف 75 ألف ليرة سورية، فـ طقم المشفى المعروف (بطقم النزلة)، يبلغ ثمنه لوحده 15 ألف ليرة.

وفي ظل غلاء أسعار ألبسة الأطفال لجأت بعض النساء إلى حلول بديلة، تقول منى صوّان من مدينة معرتمصرين بريف إدلب “تلجأ النساء اليوم لشراء الألبسة المستعملة من البازارات ومحلات البالة، أو للاستعارة من الأقرباء والجيران، في حين تحتفظ النساء بلباس أطفالهن القديمة وإعادة استخدامها”.

ويرى الباحث الاقتصادي محمد بكور أن سبب ارتفاع أسعار ألبسة الأطفال يعود إلى توقف الكثير من المعامل والورش، ولجوء المحال التجارية للاستيراد من الدول المجاورة، أو الحصول عليها من المحافظات الأخرى ما يزيد من الكلفة، إضافة إلى نوعية الأقمشة التي يفترض أن تكون قطنية بجودة عالية لتتناسب مع بشرة الطفل الحساسة، ناهيك عن كلفة الإكسسوارات والتطريز.

حليب الأطفال والحفاضات هم ثقيل

بعد أن تنتهي المرأة الحامل من تأمين ألبسة طفلها ومستلزماته، تدخل في هم جديد يتمثل في دفع تكاليف الولادة والتي باتت باهظة للغاية، حيث تكلّف الولادة القيصرية في المشافي الخاصة ما بين 150-200 ألف ليرة سورية حسب طبيعة المشفى، ومن 50-100 ألف ليرة للولادة الطبيعية.

تقول منى صوّان: “معظم السيدات ليس لديهن القدرة على دفع تكلفة الولادة، فأجرة ولادة قيصرية تعادل راتب موظف لخمسة أشهر، وهنا تضطر أغلب النساء الحوامل إلى الولادة في المشافي أو المراكز الطبية العامة”.

إنجاب المولود لا يعني نهاية المصاريف، فالطفل بحاجة إلى حفاضات بشكل يومي، تقول منى صوّان: “في القديم كانت النساء تستخدم قطع القماش للأطفال، لكن في التسعينات ظهرت الحفاضات، لذا تم الاستغناء عن قطع القماش التي كانت هماً حقيقياً للنساء، كونها بحاجة لتنظيف دائم”، ويصل سعر الكيس الواحد من الحفاضات متوسطة الجودة إلى حوالي 1500 ليرة سورية، ويحتاج الرضيع إلى خمسة أكياس شهرياً.

حليب الأطفال يعتبر العبء الأكبر على السوريين، فهناك نساء ممن لديهن مشكلة صحية ولا يستطعن إرضاع أطفالهن بشكل طبيعي، فيلجأن إلى الحليب الصناعي، ويحتاج الرضيع إلى علبتي حليب أسبوعياً (ما يقارب 5000 ليرة وسطياً)، وتزداد الكمية مع تقدم الطفل في السن، إضافة إلى أغذية الأطفال، ويبلغ سعر علبة السيريلاك وزن 400غرام حوالي 1450 ليرة.

 

الكراوية بحلّة جديدة

الكراوية إحدى أهم أطباق الحلويات الدمشقية، التي تُقدَّم في الغالب للضيوف المهنئين بالمولود الجديد، وهي عبارة عن نبتة عشبية عطرية شبيهة بالكمون أواليانسون، تُطحن وتُستخدم في الحلويات أو كبهارات أيضاً.

تقول أم أنس: “تهجيرنا إلى الشمال لن يمنعنا من نقل بعض طقوسنا إلى هنا، تحضير الكرواية بات مكلفاً، خاصةً أنها تحتاج الى الكثير من المكسرات، فسعر كيلو الكاجو أو اللوز 8 آلاف ليرة، إضافة إلى ندرة وجود الكراوية في أسواق الشمال السوري”.

وأضافت أم أنس أن “الكراوية اختلفت من حيث الشكل بالنسبة لسكان الغوطة الشرقية، حيث فقدت كثيراً من مكوناتها، إلا أن طقوسها لم تختلف أبداً، فخلال فترة الحصار قبل التهجير، استعاض الناس الأرز الذي يعتبر مادة أساسية في تحضيرها بسميد القمح كونه أرخص ثمناً، لكن هنا عدنا لاستخدام الأرز مجدداً كونه متوفر بسعر مناسب”.

كما أن نسبة الكراوية تم تخفيضها وأصبحت لا تتجاوز الـــ 20%، أما الزينة فهي الأكثر تأثراً، فغابت المكسرات كالفستق الحلبي والكاجو واللوز، وحلّت محلها بذور المشمش المقشرة والتي باتت الزينة الرئيسية، إضافةً لجوز الهند.

الكراوية -أنترنيت
الكراوية -أنترنيت

تدخل أم أنس وهي تحمل أكواب الكراوية الساخنة، وتوزّعها على النساء اللواتي جئن للتهنئة بولادة شقيقتها، يبدأ البعض بتناول حصته، بينما هناك نساء ترددن في تناولها، كون أهل الشمال السوري غير معتادين عليها، لكن سخونة الكراوية ومظهرها الجميل شجّعتهم على أكلها، وأدخلت الدفء إليهم في ظل الطقس البارد.

بعد أن أعجبت بعض النساء الحاضرات بطعم الكراوية، سألن أم أنس عن طريقة تحضيرها فأجابت: “تُطحن الكراوية ومن ثم توضع كمية من الأرز المطحون من ضعفين حتى خمسة أضعاف بحسب رغبة الضيوف، ويضاف إليها السكر والماء والقرفة واليانسون، وتغلى حتى ينضج الأرز ويصبح المزيج لزجاً، تسكب بعدها بأكواب وتزيّن بالفستق الحلبي والكاجو واللوز أو الاستعاضة بالجوز والفستق العبيد، وتقدّم ساخنة فهي حلوى شتوية بامتياز”.

“الفارغ” مشروب شتوي غاب بريقه

تقاليد استقبال المولود مختلفة من منطقة لأخرى، ففي الشمال السوري لا تقدم الكراوية، وإنما هناك مشروب آخر شعبي يُسمى شراب “الفارغ” أو “المغلي”، والذي يُعد غالباً بيد الـ “حماية أو الأم” بعد الولادة بيومين أو ثلاثة، لنسمع رنة الهاون وهو جرن من النحاس الخالص تدق به حبات البهارات التي تتضمن اليانسون والزنجبيل والشمرا والقرفة، أو يمكن جلبها مطحونة من السوق.

الفارغ أو المغلي - أنترنيت
الفارغ أو المغلي – أنترنيت

أم عبدو دسوقي من سكان أرمناز بريف إدلب، تتحدث عن طريقة تحضير الفارغ قائلةً: “بعد طحن بهارات الفارغ، نقوم بتحميص الشمرا مع اليانسون ثم خلطها مع الزنجبيل، ونغليها جميعاً حتى يصبح المزيج لزجاً، ثم نضيف لها السكر والقرفة، بعد ذلك نضع كمية قليلة من اليانسون والشمرا المحمصة مع بعض قطع الجوز وجوز الهند في كل كوب، ثم نسكب فوقها الماء المغلي مع البهارات، ليصبح الفارغ جاهزاً للتقديم”.

وأضافت أم عبدو “اعتاد الأهالي قبل الثورة على تقديم هدية للطفل، وهي في الغالب قطعة ذهب أو مبلغ من المال بعد احتساء شراب الفارغ، ويطلقون الدعوات وتمنيات العمر المديد للطفل وعدد من العبارات التي تقال في هذه المناسبة، لكن خلال السنوات الماضية أصبح شراب الفارغ من الماضي ولم يعد أحد يهتم بتقديمه كونه بات باهظ الثمن، وأصبح يُقدم عوضاً عنه القهوة والشعيبيات”.

ويعتبر مشروب الفارغ مميزاً جداً في فصل الشتاء، فهو يمد الجسم بالحرارة ومفيد للحماية من نزلات البرد ومشكلات السعال، ويعالج الغثيان والدوخة ويزيل المغص عند البالغين والأطفال، كما أنه يُعيد الطاقة للمرأة المنجبة، ومُدرَّ للحليب الذي تحتاجه المرأة لإرضاع مولودها الجديد.

وتابعت أم عبدو قائلةً: “كان تحضير الهدية التي يقدِّمها الناس للمولود الجديد، من أهم الأمور التي يحاولون أن تكون منتقاة بعناية أثناء الزيارة، أما اليوم فتقتصر على ألبسة رخيصة الثمن، وبعضها مباركات بدون أي هدية”، مضيفةً “صرنا نخجل من المناسبات، وماذا سنقدّم فيها من هدايا، حتى أن الكثيرين يعتذرون عن الحضور للسبب المادي، والبعض يحضر بدون هدية، ومن يجلب هدية تكون عادية جداً وغير مكلفة”.

هاني العبد الله