كان التأثر واضحاً على وجه الرئيس الفرنسي ماكرون والدموع تملأ عينيه وهو يوجه خطابه، منذ يومين، لأصحاب الستر الصفراء المحتجين في العاصمة باريس، وعلى الرغم من التحليلات السياسية المختلفة حول أسباب هذه الاحتجاجات، إلّا أن ما اتفق عليه الجميع كان سوء الأحوال الاقتصادية التي تعيشها طبقة ليست بقليلة من الفرنسيين، والتظاهر ضد قوانين تخص رفع أسعار الوقود، وإن كانت تلك الأسباب المباشرة تخفي وراءها الكثير من المشكلات الدفينة لبنية المجتمع الفرنسي وتهميش كثر من النخب السياسية والفكرية والثقافية والمواطنين، وإبعادهم عن الحياة العامة.

الكلام أعلاه هو فهم قاصر لبيئة لم نعرفها يوماً، ويبقى محض افتراض نتداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبعض التقارير الإخبارية، وما نستقيه على عجل من محللين فرنسيين وأوروبيين تستضيفهم قنواتنا الناطقة بالعربية.

لم تفلح الوعود التي أطلقها الرئيس الفرنسي في تهدئة الستر الصفراء، بل تضاعف الخوف من ازدياد حدتها، بعد وصفه بـ “الممثل” الذي يؤدي دوراً مكشوفاً، كما اعتبر البعض منهم تلك الوعود بزيادة الحد الأدنى من الأجور وتعليق رفع الضرائب وتقديم مكافأة سنوية للعاملين في المؤسسات والمصانع، إن استطاعت، مخدراً موضعياً لامتصاص الصدمة، قبل تفاقمها.

لعلّه، ومن المعيب، المقارنة هنا بين ما يحدث في فرنسا، وما حصل ويحصل في سوريا منذ ثماني سنوات، إلّا أن حدثان هامان يفرضان على السوري، ودون إرادة منه، المقارنة مرغماً، أولهما خطاب بشار الأسد الأول في بداية الثورة، والذي اختار مجلس الشعب ليكون مكاناً لخطبة عصماء طويلة استمرت لأكثر من ثلاث ساعات، بدا فيها ضاحكاً كعادته “عبيطاً كما يقول أخوتنا المصريون”، تحدث بألغاز غير مفهومة، وعن إصلاحات لم يحدد كنهها وطبيعتها، ليغلق الباب أمام أكثر المتفائلين بانتظار خطابه الذي وصفه واحد من أعتى المدافعين عنه اليوم وقتها بـ “افتقاده لأي جملة يمكن استخدامها للدفاع عن وجوده أمام مناصريه ومنتقديه في آن معاً”، قبل أن ينتبه أنه يتحدث في ميدان عام.

الفارق هنا كان بين أكثر من ثلاث ساعات وثلاث عشرة دقيقة خاطب بها ماكرون الشعب الفرنسي، وهنا علينا التركيز بين خطاب الرئيس لشعبه، بـ “هاء النسبة” التي فُرضت على الشعب السوري طوال عقود من الزمن.

لم يبدو بشار الأسد كممثل يُظهر القليل من الاحترام، ولم يحدّد في خطابه نقاطاً للبداية بمشروع إصلاحي، حتى وإن كانت لن تنفذ لاحقاً، بل بدى صلفاً منفصماً عن الواقع، يوزع كلماته غير المفهومة على أعضاء برلمانه الذين اعتادوا التصفيق كيفما اتفق، بالرغم من الفارق الكبير في الأسباب الظاهرية على الأقل، بين المتظاهرين على غلاء الوقود والباحثين عن الكرامة والحريات.

الخوذ البيضاء كان الفارق الآخر الذي راود كثر من السوريين، وهم يتابعون أحداث فرنسا الأخيرة، فما بين الستر الصفراء والخوذ البيضاء جناس غريب بالرغم من الاختلاف اللوني واللغوي، لعله نابع من الرمزية التي وصمت التسميتين، الأولى ونعني الستر الصفراء بدلالتها النابعة من وجودها كأساس في السيارات الفرنسية، والتي يتوجب على مؤسسات الدولة وحتى المواطنين مساعدة من يرتديها، أو على الأقل تجنبه على الطرقات، هي إشارة للزوم المساعدة، والثانية بوصفها رمزاً لمساعدة الآخرين، والموت من أجلهم، ومحاولة إنقاذهم من تحت القصف والأنقاض والدمار، كرمزية للاستمرار بالحياة في مواجهة الموت اليومي.

الستر الصفراء واحتجاجاتها تتصدر عناوين نشرات الأخبار وتعاطف العالم، ويخرج من أجلها رئيس البلاد للوقوف على مطالبها، أما خوذنا البيضاء فقد صنفها بشار/نا وحلفاؤه بالتنظيم الإرهابي، وسعوا في كل مناسبة لقصفها وقتل عناصرها، بل وملاحقتها قضائياً وفي كل المحافل الدولية، واتهامها بالعمالة والخيانة.

الأكيد هنا أن علينا التوقف عن المقارنة، فهناك هوة كبيرة بين دولة مؤسسات يكون فيها الرئيس والحكومة موظفين لسنوات محدودة في وطن، ولصالح خدمة الشعب، المكوِّن الرئيسي للبلاد والمشرع الحقيقي لوجود حكامها ووزرائها ونوابها، وبين مؤسسات دولة وشعب كلها تدين لهاء النسبة المستمرة للأبد، فنحن شعبه ووزراؤه ونوابه ومؤسساته ومدارسه ومعامله وماؤه وترابه، وفي هذا الإطار علينا أن نتذكر أن الفرنسيين احتلوا بلادنا ما يقارب عقدين ونصف العقد من الزمن، وحاكمنا احتلنا جميعاً لما يقارب خمسة عقود من الزمن، وما زال مستمراً حتى اللحظة، وأن علم الثورة اليوم يهاجم على أنه علم الانتداب الفرنسي، وأن قناة الدنيا وصفت مظاهرات الستر الصفراء بـ “المحقة” ضد القهر المفروض على الفرنسيين، في الوقت الذي أخرجتنا نحن لـ “نشكر الله على نعمة المطر” حين طالبنا بـ “الحرية”.