ارتفعت معدلّات الإصابات التي تحتاج إلى العلاج الفيزيائي في سوريا، نظراً لظروف الحرب وما خلفته من آثار جسدية طالت عشرات الآلاف من المدنيين الذين فقدوا واحداً أو أكثر من أطرافهم، ومئات الآلاف من المصابين الذين تسببت لهم الحرب بإعاقة دائمة، ما استدعى تضافراً للجهود لإنشاء مراكز “للعلاج الطبيعي”، تسهم إلى حد ما، في التخفيف من حدة الإعاقات، بعد أن أُغلقت الحدود في وجوههم للوصول إلى المشافي التركية للعلاج.

بمساع محلية وجهود تطوعية حملها على عاتقه مركز العلاج الفيزيائي الثابت الوحيد بريف حماه، والذي أنشئ منذ قرابة العام في قلعة المضيق، تمّ ومنذ ما يقارب الشهرين إنشاء عيادات متنقلة مجانية تختص بالعلاج الفيزيائي والطبيعي لتخديم المصابين في مناطق سهل الغاب والممتدة على طول 90 كيلو متراً بين قلعة المضيق وقسطون في الشمال الغربي من حماه، وتحسين أوضاعهم الصحية، إضافة إلى توجيه وإرشاد الأهالي القائمين على المصابين إلى كيفية تقديم الرعاية المنزلية لذويهم، بحسب “مرهف رعدون” المدير الإداري بمركز قلعة المضيق الفيزيائي والذي قال إن الفرق الجوالة في العيادات المتنقلة تقوم بزيارتين أسبوعياً لكل منطقة من مناطق ريفي حماه الشمالي والغربي.

بُعد المسافة وافتقار ريف حماه لمراكز مختصة بالعلاج الفيزيائي، والأعباء المالية والجسدية التي يعاني منها المصابون في كل مرة يقصدون بها قلعة المضيق للعلاج، ناهيك عن الضغط الكبير الذي يتحمله مركزها، دفع القائمون عليه إلى اجتراح حلّ العيادات المتنقلة، أملاً بتخفيف العبء عن المصابين والذين يحتاجون للعلاج بشكل دوري ولفترات طويلة، إضافة إلى تلقيهم الخدمة في بيوتهم وهو ما يخفف عنهم مضاعفات الإصابة نتيجة السفر والإرهاق.

ثلاثة فرق بينها فريق نسائي، يضم كل منها ثلاثة معالجين فيزيائيين ومثلهم من المساعدين إضافة إلى مختص بالدعم النفسي (لدعم الأطفال والمسنين) هم كادر العيادة المتنقلة، التي وضع القائمون عليها خطة لإجراء 600 جلسة علاج فيزيائي شهرياً، ولمدة ستة أشهر قابلة للتمديد.

قدمت العيادة خلال الشهرين الماضيين الخدمات العلاجية لما يزيد عن 75 مريضاً، بحسب إحصائيات المركز، بواقع 450 جلسة معالجة منزلية تتراوح بين (ساعة إلى ساعتين) بحسب حاجة المريض، ويتوقع مدير المركز زيادة عدد المرضى ليبلغ من 60-70 مصاباً شهرياً.

آلية نقل واحدة، هي المخصصة للفرق الجوالة الثلاثة، ما يجعل تغطية المنطقة بالكامل أمراً بالغ الصعوبة، ولعلّ أكثر ما تعانيه هذه الفرق يكمن في نقل الأجهزة اللازمة من مكانها في قلعة المضيق إلى المناطق التي يزورونها، ولتخطي ذلك، لجأ المركز إلى تزويد العيادات المتنقلة بداية بأجهزة سهلة النقل كـ “جهاز ليزري وأجهزة التنبيه إضافة إلى المصابيح الحرارية”، يقول أحمد واحد من المعالجين الفيزيائيين في العيادة.

لم تعد أمينة العلي ذات الثلاث سنوات مضطرة للذهاب إلى تركيا وانتظار طابور الدور الطويل، أو التوجه إلى مركز قلعة المضيق، فالطفلة التي ولدت تعاني من وجود قيلة سحائية (شق مفتوح في العمود الفقري) أسفل ظهرها، مع وجود جنف في العمود الفقري (ميلان جانبي) أدى إلى تشوه في القفص الصدري، وجد والدها في العيادة المتنقلة حلّاً لعلاج ابنته المستمر والطويل على حد قوله، “تزور العيادة المتنقلة قريتنا كل أسبوع وتقدم العلاج اللازم لطفلتي في المنزل” يقول والد أمينة الذي يشعر بالرضا والامتنان “للخدمة التي يقدمها الفريق الجوال”، والذي خفف عنه “أباء التنقل والسفر”.

يشمل العلاج الذي تقدمه العيادة المتنقلة جميع أنواع الإصابات العظمية والعضلية والعصبية، ويحتاج المصاب إلى جلسات دورية وطويلة من العلاج الفيزيائي، وهو ما عبّر عنه محمد أبو المجد الذي أصيبت يده في واحدة المعارك، لتبدأ رحلاته المكوكية إلى مراكز العلاج الفيزيائي، إذ يحتاج إلى جلسة علاج بالنبضات الكهربائية والحركات الفيزيائية كل يومين، يقول محمد “هذه المرة الأولى التي أتلقى بها العلاج في منزلي”، آملاً باستمرارية المشروع الذي يخدم أولئك المصابين، في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة، وتخلي المنظمات الإنسانية عن واجبها تجاههم.

وكانت منظمة الصحة العالمية والمنظمة الدولية قد أصدرت في العام 2017 إحصائية تبين أن هناك 30 ألف مصاب في كل شهر بسبب الحرب السورية، وأن الحرب خلفت مليوناً ونصف المليون من المصابين بإعاقات دائمة منهم 86 ألف شخص أدت إصابتهم إلى بتر في أطرافهم.