وفاء أم لستة أطفال فقدت زوجها وثلاثة من أبنائها إثر سقوط “برميل” متفجر بالقرب من منزلها في قرية البارة بريف إدلب في عام 2014، تحاول وفاء العودة بشريط الذاكرة “لا أعرف كيف مرّت تلك اللحظات القاسية، عندما احترق دكان زوجي المحاذي لمنزلنا، استجمعت ما لديّ من قوة للوصول إلى المكان، أطفالي الثلاثة كانوا برفقة والدهم، عند وصولي انهار سقف المحل فوقنا”، تكمل “كان كل همي إنقاذهم، لم أشعر بجروحي النازفة”.

لم يستطع رجال الدفاع المدني إنقاذ أحد منهم، سوى وفاء، يقول محمد (من عناصر الدفاع المدني) الذي يذكر عند وصولهم إلى المكان “كانت وفاء ترمي بنفسها داخل المكان المحترق بفعل البرميل، زاد عليه احتراق الوقود الذي كان زوجها يبيعه في المحل”، وفي الوقت الذي أحاطت النيران بزوج وفاء وأطفالها الثلاثة، لتتركهم ضحايا الانفجار، قام محمد بسحب وفاء وإيصالها إلى سيارة الإسعاف.

نجت طفلة وفاء ذات العشرة أعوام من الموت، والتي كانت “تلعب” مع صديقتها في منزل مجاور، إضافة إلى ابنتيها المتزوجتان، ووفاء التي استفاقت في المشفى على صوت فتياتها الثلاثة، يتلمسن جسدها ويرجونها “أمي لا تتركينا وتموتي”، لا تعرف كيف أعادت تلك العبارة “إحساسها بالمسؤولية وأن حياة جديدة تنتظرها وعليها أن تقاوم”، على حد قولها.

تجاوز كثر من السوريين ما خلفته الحرب، نظراً للتجارب المريرة التي عاشوها

الحروق والشظايا غطت كامل جسد وفاء إضافة إلى كسر في الجمجمة، كان حظ وفاء من القصف، يقول طبيبها المعالج مناف، الذي أضاف أنها بإرادة قوية استطاعت أن تعبر مرحلة الخطر، وتتمسك بالحياة.

تركت المأساة التي عاشتها وفاء “ندوباً” جسدية، وأخرى نفسية عمقت من حالتها، إلّا أن صراعاً من نوع آخر، ظهر بعد خروجها من المشفى، كان له أثر كبير على روحها، بعد أن رفض “أهل زوجها” استقبالها للعيش معهم، رافضين تقديم أي دعم مالي أو معنوي لها ولطفلتها، بل تركوهما لمواجهة مصيرهما، طفلة صغيرة وامرأة أرملة وسط مجتمع مليء بالعادات والتقاليد “البالية” على حد قولها.

صديقتها ريم قدّمت لها مبلغاَ من المال لمساعدتها على الحياة، في حين بدأ أهلها (لاجئون في ألمانيا) بنصحها بالزواج مرة أخرى، وإكمال حياتها تقول وفاء التي تزوجت من رجل آخر:” لم أكن في حالة نفسية تسمح لي بالزواج مرة أخرى بعد، ولكن كان لابد من استمرار الحياة”.

بابتسامة خفيفة ترتسم على وجهها تنهي وفاء قولها” لقد اسميت ابني هذا رامي على اسم أخيه الأصغر المرحوم الذي كان يرقد في سريره قبل أن تقذفه قوة ضغط البرميل الى حوش الجيران.. الحمد لله على كل الاحوال والحمد لله الذي عوضني بـ رامي الجديد”.