منذ أيام، شهدت بلدة مزيريب في محافظة درعا، والتي أبرمت اتفاق مصالحة مع قوات الأسد منذ أشهر، عودة لكتابة الشعارات المناهضة للنظام على جدرانها، بعد أن قامت الأخيرة، وبعد سيطرتها على البلدة، باستبدال الشعارات القديمة، بأخرى موالية تمجد القائد، وتحيي ميليشياته، خاصة قوات “النمر” و “الفرقة الرابعة”.

ترتبط الكتابة على الجدران ارتباطاً وثيقاً بـ تنامي التعبير عن الذات، الذي يُعزا لأسباب ومشاكل نفسية، خاصة في مرحلة الطفولة والمراهقة، وقد تمتد إلى فترات لاحقة، إن لم يتم توجيه الأفراد بشكل صحيح لتعديل هذا السلوك الخاطئ، وإن كانت هذه الظاهرة القديمة/الجديدة في جزء منها تأخذ شكلاً إبداعياً فنياً أو جمالياً، إلّا أنها وفي الوقت ذاته “تعبير غير حضاري” تسببه انفعالات واضطرابات نفسية، تدفع كاتبها إلى إيصال ما “يعانيه” و “لفت” أنظارهم عبر كتابة “كلمات معينة” أو “أشعار” أو من خلال “الرسومات”، أو إظهار نوع من “خفة الدم” على شكل رسائل، غالباً ما تكون “موجهة” و “مبهمة”.

اعتاد السوريون، سابقاً، قراءة المقولات “الحزبية أو الطلائعية”، والتي كانت تكتب من قبل “خطاطين” مختصين، خلال المؤتمرات أو المهرجانات، كوسيلة “دعائية” أو للتأثير بـ “عقل المواطن” من خلال زرع هذه المقولات في “العقل الباطن” له، حتى باتت تستخدم في المصطلحات اليومية، وتتداولها الألسن “لا شعورياً”. وفي المقابل كانت الجدران غالباً ما تغطى برسومات “دينية” أو عبارات “ترحيبية” بـ “الحجيج”، وأحياناً ببعض “الخدمات” وأرقام الهواتف لـ “بائعي منتجات”، كما شكلت هذه الجدران مكاناً لبثّ شكوى محب، أو رسالة لمراهق عاشق، أو اسمين متقابلين بأحرفهما الأولى مع “قلب حب وسهم يخترقه”، وبعض الألفاظ النابية المتكررة عن “رمي القمامة والتبول”.

تحوّلت الكتابة على الجدران، ومع بداية الثورة السورية، إلى “مساحة للتعبير السياسي”، ونشر “الأفكار والمطالب الثورية”، وشكلت الكلمات الأولى التي كتبها أطفال درعا على الجدران “الشعب يريد اسقاط النظام”، و”إجاك الدور يا دكتور” الشرارة الأولى لانطلاق المظاهرات، كما باتت هذه الشعارات “وسيلة” تقض مضجع النظام، وتربكه، وتهز أركان حكمه الديكتاتوري الذي اعتاد فقط على رؤية مقولات “القائد الخالد”، لا انتقاده والدعوة إلى سقوطه والثورة عليه.

الظلم والقهر الذي رافق المظاهرات الأولى، ونجاعة هذه الكتابات في إرباك النظام، دفعت العديد من الشباب الثائر لمحاكاة التجربة، في مدنهم وقراهم، وبدأت هذه الشعارات تأخذ مكانها على واجهات المحلات ومؤسسات الدولة والمدارس، وتطوّرت هذه العبارات لنقل مبادئ الثورة والتعريف بها، والنيل من النظام وقائده، وكانت سبباً لاعتقال كثير من الناشطين.

كانت الكتابة على الجدران في تلك المرحلة إفراغاً لما يعتمل في صدور الشباب السوري من قهر وفرح وظلم وحرية، وباتت تشكل سمة عامة، فعلى الرغم من وجود وسائل التواصل الاجتماعي، وجد الناشطون في الكتابة على الجدران “حلّاً” أكثر أمناً، وامتاز بسهولة الوصول إلى جميع شرائح المجتمع، وكسر هيبة النظام في معظم مناطق تواجده.

على عجل وبخط عشوائي في كثير من الأحيان، وبواسطة “بخاخ”، كان أولئك الشبان يمارسون عملهم، يقول أحمد (واحد من الذين شاركوا في الكتابة على جدران مدينة حلب)، “كنا نشعر بالراحة بعد الكتابة على الجدران، كثيراً ما مررت أمام كتاباتي على الجدران، أحياناً كان رجال أمن يتخفون لمعرفة الفاعل بالقرب من هذه اللافتات، أضحك كلما رأيتهم، وأشعر بانتصارنا عليهم، وبحيرتهم وارتباكهم وغضبهم”.

أصبحت الجدران “دفاتر” لنقد كل الأخطاء، عبارات موزعة عن أخطاء الثورة، أو فصائل بحد ذاتها، وأخرى تزرع الابتسامة والأمل والحرية، وغيرها تنذر جنود الأسد، وبعضها يوثق المرور بالمكان، كثيراً ما كنت ترى عبارات مشطوبة أو ردود على عبارات مكتوبة، بعضها يتسم بالجدية وأخرى بالفكاهة و”خفة الدم”.

لم تخل الجدران في هذه المرحلة من التعبير عن “المشاعر”، بعيداً عن السياسة، عبارات يكتبها “عشاق مراهقون” لحبيباتهم، غالباً لا تعرف الفتاة نفسها إن كانت هي المقصودة بالعبارة. كلمات غزل أو أشعار، أحياناً تكتب بأسماء صريحة، أو يكتفى بالحرف الأول، استعارات لقصائد شهيرة، أو كلمات مبهمة تجبرك على الابتسامة “بحبك يا دبة”، “اشتقتلك بلايا”، وكثيراً ما تطعم بظروف البلاد والثورة “بحبك قد ما بكره بشار”، “بحبك على عدد القذائف الي نزلت علينا”، “حبيني قبل ما موت”، “عفشتي قلبي” ومثلها من هذه العبارات التي ارتبطت بواقع السوريين ولغتهم اليومية.

استخدمت هذه الكتابات على الجدران كصور لـ “بروفايلات أو حالات” وسائل التواصل الاجتماعي، وتندّر كثر من الشباب السوري بها على صفحاتهم، وصيغت كتعبير على “الحياة” التي ستستمر رغم “القصف والموت”، شأنها بذلك شأن الكتابات والرسومات التي زينت الجدران المهدمة والأنقاض التي ملأت الشوارع للتأكيد على “أحقية الحياة”، ودليل آخر على “الديمومة والقدرة على العيش”.

على جدران المدن التي أعادت قوات الأسد السيطرة عليها، وثق المهجرون حياتهم على الجدران، ملؤوا المساحات المتبقية من جدرانها بعبارات الحنين، والتأكيد على “العودة”، ونال بعض منها شهرة واسعة كعبارة “راجعين يا هوا”، التي كتبها أحد الناشطين برفقة زوجته قبل تهجيرهم من مدينة حلب، يقول أحمد “عليهم الآن أن يعيدوا طلاء هذه الجدران، ستحتاج المهمة إلى وقت طويل منهم، نحن وثقنا ذاكرتنا وجرائمهم، سواء بقينا أم خرجنا، سنبقى مصدر خوفهم وإرباكهم”.

وإن كانت الكتابة على الجدران ظاهرة “غير حضارية”، إلّا أنها شكلت في الحالة السورية وجهاً من أوجه المعارضة، وتفريغ الانفعالات التي اصطدمت بأي فراغ لتملأه بالغضب والأمل والثورة.